تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 642

مساهمون:

ص٦٤٢
فارق أحبابه فما انتفعوا * بالعيش من بعده ولا انتفعا
ودام معها ليلته كلها ، والبدر لا يعرف السرار ، والبحر لا يدرك له قرار ، والشموع كأنها عشاق تجري دموعها وتلتهب قلوبها الحرار ، حتى هم الفجر أن يبوح بسره المكتوم ، ويفك عن سفط النجوم طوابع الختوم ، وقطرت أعطاف السحب متصببة ، وجرت [ ص 416 ] دموع النرجس في خدود الشقيق متصوبة ، وقارب طلوع الصباح والجو بين برديه ، وسيف البرق بين غمديه ، واضطرب النسيم مذبذبا مبلبلا تلك الحدائق ، واضطر الفجر إلى أن يقبل في ثغر الصبح المفتر تلك العقائق ، فأشرف الملك الكامل ، ومن مجر الرعد قد هول ، والصباح الآتي قد فض ذيل الليل وقصر منه ما طول ، فدعاها إلى الصبوح ، وأقام بوجهها عذره عند الدهر الصفوح ، فلما دارت به الحميّا ، وذكرته هندا وميّا ، أمرها أن تصنع لحنا في شعر بعض متيمي العرب ، فصنعت في شعر ذي الرمة : « 1 » [ الطويل ]
أراني إذا هومت ياميّ زرتني * فيا نعمتا لو أن رؤياك تصدق « 2 »
يلوم على ميّ خليلي وربما * يجور إذا لام الشفيق ويحرق
غداة منى النفس أن تسعف النوى * بميّ وقد كادت من الوجد تزهق
لها جيد أم الخشف ريعت فأتلعت * ووجه كقرن الشمس ريان يشرق « 3 »
فوقع منه موقعا كان يجتذبه ، ويأخذ بسمعه إليه ولو أراد أن يجتنبه ، ثم أفاض عليها سجاله ، ووسع في الكرم عليها محاله ومما يتبقى من محاسن هذه القصيدة المختار منها الصوت : « 4 »
هامش
( 1 ) الشعر لذي الرمة في ديوانه ص 478 - 481 من قصيدة . ( 2 ) هومت : من التهويم وهو أول النوم . ( 3 ) أم الخشف : الظبية ، والخشف ولدها ، ريعت : فزعت . أتلعت : مدت عنقها تنظر . ( 4 ) الديوان ص 486 .