189 - ومنهم - عجيبة مغنّية الكامل « 1 »
وكانت في نساء زمانها عجيبة ، وفي أوانس أخدانها غريبة ، من المغاني المشهورات ، الغواني المذكورات ، شغف بها الملك الكامل على دثور عقله ، ووفور فضله ، وكان لا يصبر عنها ليلة من الليالي ، ولا يدع استرازها ولو بين تشجّر العوالي ، وكانت ظريفة تأخذ بمجامع القلوب ، وتخلب صوادف النفوس ، وكانت تطلع إلى الملك الكامل وجنكها « 2 » محمول معها ووراءها الجواري والخدم ، وكانت تحضر مجلسه سرا وعلانية ، وتغنيه على الجنك وبالدف ، وبها قدح فيه ابن عين الدولة القاضي لما قال له الملك الكامل في قضية من القضايا : أنا أشهد عندك بكذا ، فقال : السّلطان يأمر وما يشهد ، فأعاد عليه السلطان القول [ ص 414 ] وأعاد عليه القاضي الجواب ، فلما زاد الأمر ، قال له السلطان : أنا أشهد ، تقبلني أنت أولا ؟ فقال : لا ما أقبلك ، وكيف أقبلك وعجيبة تطلع إليك بجنكها كل ليلة وتنزل ، تأتي يوم بكرة وهي تتمايل على أيدي الجواري والخدم ، وينزل ابن الشيخ من عندك أنحس مما نزلت ، فقال له السلطان ( يا كنفرخ ) وهي لفظة شتم بالفارسية ، فظن ابن عين الدولة أنه قال له : كل فراخ ، فقال : ما في الشرع كل فراخ ، اشهدوا علي أني قد عزلت نفسي ، وقام فجاء ابن الشيخ إلى الملك الكامل وقال له : المصلحة إعادته لئلا يقال لأي شيء عزل
هامش
( 1 ) الملك الكامل : محمد بن محمد العادل ابن أيوب من سلاطين الدولة الأيوبية ، كان عارفا بالأدب ، له شعر ، وسمع الحديث ورواه ، ولد بمصر وأعطاه أبوه الديار المصرية فتولاها مستقلا بعد وفاة أبيه ، وامتلك الديار الشامية ، كان حازما عفيفا مهيبا يباشر أمور الملك بنفسه ، من آثاره المدرسة الكاملية بمصر ، توفي بدمشق ودفن بقلعتها سنة 635 ه .
( الوافي بالوفيات 1 / 193 ابن الأثير 12 / 126 ، 135 ، 186 السلوك - المقريزي 1 / 194 - 260 الحوادث الجامعة ص 107 وابن خلكان 2 / 50 مرآة الزمان 8 / 705 ) .
( 2 ) الجنك : الطنبور ، عود ذو رقبة طويلة .