تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
يستباح منه إلا ما على الطرف المخضب من عنمه ، والقلعة مسرح ظباء ، ولا عقرب إلا بصدغ مليحة ، ولا سيف يسل إلا بكرة صبيحة فقطع تلك المدد والدهر غافل ، والبر سحابه حافل ، والبدر في تلك الآفاق طالع غير آفل ، ودخان الند يعقد سماء ، وخدود الملاح يشرب ماء ، ثم مات حيث تلاشى ذماء « 1 » الجود ، ومص الثرى بقية الماء من الفرد . أصله من أبناء الكتّاب ، وكتب خطا حسنا ، وقرأ طرفا من النحو والعربية ، واتقن علم الموسيقا ، وحفظ كثيرا من الشعر للقدماء والمحدثين ، ونقل الأصوات المشهورة ، وحفظ كثيرا من نوب عبد المؤمن وانخرط في سلك الندماء ، وأهل المحاضرات ، وملح وندر ، وحكى الحكاية والخبر ، وخدم ملوك ماردين « 2 » واتصل بهم ، وحكي أنه حظي عند الملك الصالح شمس الدين وراج لديه ، وسمع به السلطان الناصر فاستدعاه ، وأقبل عليه غاية الإقبال ، وكان له مكانة لم يبلغها أحد من أمثاله ، وأمره بملازمة الجواري وتعليمهن ويلقي عليهن الأصوات ، حتى تخرج غالب الجواري المحسنات ، وكان يتردد إلى باب الستارة في كل يوم ، وتخرج إليه الجواري ، وكان مجيدا في الغناء ، متقنا في سائر الخفيف والثقيل منه ، غاية في ضرب الجنك « 3 » العجمي وتأليف الأنغام عليه ، ولا يكاد يثبت سامعه لشدة الطرب ، وكان يقيم بمصر المدد الطويلة ، ثم يسأل في العود إلى ماردين فيؤذن له ، فلا يكاد يصل [ ص 333 ] ماردين ويستقر بها إلا وجهز السلطان في طلبه وبحث في سرعة عوده ، فإذا وصل ضاعف الإكرام وعومل
هامش
( 1 ) الذماء : بقية الروح في المذبوح . - قلت : كلمة « الفرد » قلقة ولا توافق المعنى ولا السجع . [ المراجع ] . ( 2 ) ماردين : قلعة مشهورة على قنّة جبل الجزيرة ، مشرفة على دنيسر ودارا ونصيبين . ( ياقوت : ماردين ) . ( 3 ) الجنك : الطنبور ، وهو آلة من آلات الطرب .