تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
بأكثر مما يعهد ، وحصّل بهذا أموالا جزيلة ، ونعما كثيرة والأنزال التي تزيد على عادة مثله ، وحضرت مجلس السلطان مرة وعنده موسى بن مهنا ، وكلاهما يضرب بالجنك بين يديه ، فرأيت موسى بن مهنّا على سكونه العظيم ووقاره يميل يمنة ويسرة ، وكان كتيلة ذلك اليوم كله يردد صوتا صنعه ، والصوت : [ البسيط ]
يا دار عّزة من للواله الباكي * بنظرة يتملّى من محيّاك
ما هبّ من أيمن الوادي نسيم صبا * إلا وكان الهوى العذريّ يمناك
تحمّلي واحملي يا نوق واصطبري * على المسير فهذا من سجاياك
ولم يبق أحد من غلمان الدار وأعيان الأمراء ، حتى هزه الطرب ، ولولا مهابة السلطان لرقصوا ، فلما فرغ مما هو فيه ، أثنى السلطان عليه ، وقال لموسى بن مهنا : كيف رأيت ؟ فقال والله ظننت أنه يجذبني إليه ، ولو لم أملك نفسي لوقعت عليه ، وأمر له السلطان بألف دينار يتّجر بها ، وكتب له توقيع مسامحة بما يجب عليه فيها من الموجبات الديوانية في السفر دائما صادرا وواردا ، ومضى يوم عجيب لم ير مثله ، ودخلت على السلطان يوما آخر وهو عنده ، وقد أخذ في صوت صنعه ، والصوت : [ الطويل ]
سلام على ليلى وليلى بعيدة * ولكنّها طيف إليّ قريب
بديعة حسن مالها من مماثل * إذا طلعت شمس النهار تغيب
كما أنّ قلبي في البلاد متيّم * كذا حسن ليلى في الحسان غريب
وكان الكتيلة يجيء إليّ في حوائجه التي تكون له عند السلطان ، وكان كامل الأدب وافر المروءة ، حسن الخلق ، جميل العشرة ، يرجع إلى كرم وطيب أعراق ، وكان بينه وبين الكمال التوريزي ما يكون بين أرباب كل فن من المنافسة والحسد ، وكان السلطان قد سمع بالكمال ، وجاءته الأخبار بأنه فرد من أفراد