تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
أبو سعيد والكمال لا يغني ، وربما غنيا معا ، وذكر أنه استفاد بأبي وبالأمراء والوزراء وأرباب الدولة وسائر الناس لأجله أموالا جمة جليلة ، لا تكاد تحصر ، وسأله السلطان أبو سعيد أن يعلمه الموسيقا ، فعلمه قدر ما احتمله فهمه ، ثم ازداد نهمته « 1 » من هذا العلم ، وأكثر ملازمة الكمال حتى برع وصار غاية في ذلك ، ورأسا من رؤوسه ، وصار يصنع الأصوات ويعرضها على الكمال ، فتارة يصوب رأيه ، وتارة يصلح له الصوت ندر وأجاد ، وزاد وأحسن ، وكانت أكثر أصوات الكمال في الأشعار المنظومة باللغة الفارسية ، وهكذا كانت غالب أصوات أبي سعيد ، وهو الذي استنبط هذا الغناء الذي يغنى به اليوم ، ويسمى ( البيشرون ) « 2 » وهو أنغام تطول على مقدار بيت الشعر ويقبض على وسع عبارة فيسدّ بأنواع من الكلام الملفق الذي لا يحصر بوزن ولا قافية ، قلت : ولقد حرصت على تخريجه أو مقابلته بتفاعيل يوازن بها فلم أستطع ، وسألت عنه الإمام حجة العرب أبا عبد اللّه بن الصائغ الأموي المروي فقال لي : هذا لا يتخرج ولا يوزن إلا بالنغم مثل الموشحات إذا كانت غير شعرية « 3 » ، فإنها لا تنضبط ولا يعرف صحيحها من مكسورها إلا إذا غنيت ، قلت : وهذا الغناء يستلذ في المشارب وحانات [ ص 330 ] القصف « 4 » ، ولأهل مصر به ولوع وعليه وقوع ، ولا يليق الغناء به في مجالس الملوك والكبراء ، ولم يقع إليّ من أصواته في الشعر العربي إلا أربعة أصوات ، فمنها في شعر التلعفري : [ الكامل ]
هامش
( 1 ) الأولى أن يقال : « رزداد نهمه » أو ززدادت نهمته » . [ المراجع ] . ( 2 ) البيشرون أو البيشرو : ويسميه العرب المحدثون ( بشرف ) لفظ فارسي يعني المذهب الإمامي ، ويطلق في الموسيقا الشرقية والعربية على مقدمة موسيقية من نغم الآلات ، موزونة في طريقة إيقاعية تتصدر اللحن الغنائي من جنس نغمه وطريقته . ( الموسوعة العربية الميسرة 1 / 467 ) . ( 3 ) الموشح الشعري هو الذي يبنى على وزن من أوزان العرب المعروفة مثل ( جادك الغيث ) وغير الشعري يكون على إيقاعات منظومة موسيقية لكنها ليست من الأوزان المعروفة مثل موشح « ضاحك عن جمان / سافر عن بدر » للأعمى التطيلي . [ المراجع ] . ( 4 ) في الأصل « القصب » ، والصواب ما أثبت . [ المراجع ] .