تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
في كل واحدة من هذه الثلاثة معان لا تتناهى ، وصور قبل إبرازها إلى الخارج لا يتصوّرها أحد ولا يعرف معناها ، في أي صورة ما شاء ركّبها ، وفي أي مذهب أراد أذهبها ، وكان فريدا في توقيع الألحان ، وتنوع الشكر بما يعقّ من تمام الفدام « 1 » عن بنت ألحان ، وكان له بالربوة من وادي دمشق دار نقشها زمانا ، وأخرج فيها جهد صناعة الثلث فكتب عليها شعره وذهّبها ، ثم كان يغنيها ألحانا ، وكان يؤخذ عنه علم الطرب ، وكان علما فيه واحدا ، ومحركا لا يدع في السماع القائم قاعدا . ومن شعره الذي صاغه شعرا وألحانا ، وجمع فيه محاسن الدهر زمانا زمانا ، وأتقن تراكيبه كأنما أضرمه إذهابا وأتقنه دهانا ، قوله : [ الخفيف ]
إنّ فصل الرّبيع أطيب فصل * طالع وجهه بكلّ سعاده
[ ص 327 ]
طاب في فصل صحة فلهذا * كلّ يوم جماله في زيادة
تبرز الأرض منه في سندس * الوشي حاكت سحابه أبراده
لم يزل ورده يغازل للمن * ثور حتّى شقّ الشّقيق فؤاده
وقوله : [ البسيط ]
يهيج شوقي إليه كلّما صدحت * تدعو هديلا مع الأصباح في فنن
حمامة وجدت وجدي فلي ولها * قلبان شدّا مع الأشواق في قرن
قامت تنوح على ساق وقمت على * ساق أنوح فأشجتني ولم تعن
والشعر له ، وكذلك الغناء له ، وله صوت مشهور لم يبق في زمانه من لم يقر له فيه إحسانه ، وهو [ الرّجز ]
هل حيها على الغوير واجد * أم أقفرت من زينب المعاهد « 2 »
هامش
( 1 ) الفدام : ما يوضع في فم الإبريق ليصفي به ما فيه . ( 2 ) الغوير : قيل هو ماء لكلب بأرض السماوة بين العراق والشام ، والغوير : ماء بين العقبة والقاع في طريق مكة ، والغوير : موضع على الفرات . ( ياقوت : الغوير ) .