تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
ألست تعرفني في الحي جارية * ولم أخنك ولم ترفع إليّ يدا
فغنيته إياه ، فطرب طربا شديدا ، وشرب عليه ثلاثة أرطال ، وأمر لي بألف دينار ، وخلع علي جبة وشي كانت عليه مذهبة ودراعة « 1 » مثلها وعمامة مثلها ، فما لبست ذلك وراه عليّ ندم ، وكان كثيرا ما يفعل ذلك ، فقال لبعض الخدم : قل للطباخ يأتينا بمصلية « 2 » معقودة الساعة ، فأتينا بها ، فقال : كل معي ، فامتنعت لما أعرفه من كراهيته ، فحلف أن آكل معه ، فحين أدخلت يدي في الغضارة « 3 » رفع يده وقال : أفّ نغصتها والله وقذرتها بإدخالك يدك معي فيها ، ثم رفس القصعة رفسة فإذا هي في حجري وودكها « 4 » يسيل على الخلعة حتى نفذ إلى جلدي ، فقمت مبادرا فنزعتها وبعثت بها إلى منزلي ، وغيرت ثيابي ، وأنا مغموم بها وهو [ ص 221 ] يضحك ، فلما رجعت إلى منزلي ، جمعت كل صانع حاذق فجهدوا في إخراج ذلك الأثر منها فلم يخرج ، ولم أنتفع بها حتى أحرقتها وأخذت ذهبها . وضرب الدهر ضربة ، ثم دعاني أمير المؤمنين المأمون يوما ، فدخلت عليه وهو جالس ، وبين يديه مائدة عليها رغيفان ودجاجتان « 5 » ، فقال لي : تعال فكل ، فامتنعت ، فقال لي : تعال ويلك فساعدني ، فجلست وأكلت معه حتى فرغ ، ووضع النبيذ ودعا علوية فجلس ، وقال : يا مخارق ، أتغني : « 6 » [ الطويل ]
هامش
( 1 ) الدراعة : ضرب من الثياب وجبة مشقوقة المقدم . ( 2 ) المصلية : اللحم المشوي ، من صلى اللحم يصليه صليا أي شواه . ( 3 ) الغضارة : القصعة الكبيرة . ( 4 ) الودك : ما يتحلّب من اللحم والشحم من دسم . ( 5 ) في الأصل : ( عليها رغيفين ودجاجتين ) وهو لحن . ( 6 ) الشعر للأحوص في ديوانه ص 100 والأغاني 18 / 74 .