تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
قال : كنت عند الرشيد فقال : يا إسحاق تغن : « 1 » [ الوافر ]
شربت مدامّة وسقيت أخرى * وراح المنتشون وما انتشيت
فغنيته فأقبل عليّ إبراهيم بن المهدي وقال لي : ما أصبت يا إسحاق ، « 2 » فقلت له : ليس هذا مما تحسنه أنت ، ولا تعرفه ، وإن شئت فغنّه ، فإن لم أجدك تخطئ فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمي حلال ، ثم أقبلت على الرشيد وقلت : يا أمير المؤمنين ، هذه صناعتي وصناعة أبي التي قربتني منك واستخدمتنا لك ، وأوطأتنا بساطك ، وإذا نازعنا أحد فلا نجد بدا من الإيضاح والذب « 3 » ، فقال : لا غرو ولا لوم عليك ، وقام الرشيد ليبول ، فأقبل إبراهيم بن المهدي عليّ وقال : ويحك [ ص 174 ] يا إسحاق ، وتجترئ عليّ وتقول لي ما قلت يا ابن الزانية ؟ فدخلني مالم أملك نفسي معه ، وقلت له : أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك ، وأنت ابن الخليفة ثم أخو الخليفة ، ولولا ذلك لكنت أقول لك يا بن الزانية كما قلت لي ، ولكن قولي في ذمك ينصرف إلى خالك الأعلم « 4 » ، ولولاك لذكرت صناعته ومذهبه ، قال إسحاق : وكان بيطارا ، قال : وسكت إبراهيم ، وعلمت أنه يشكوني إلى الرشيد ، وأن الرشيد سوف يسأل من حضر عما جرى فيخبرونه ، ثم قلت له : أتظن أن الخلافة تصير إليك فلا تزال تهددني بذلك ، وتعادي سائر أولياء أخيك حسدا له ولولده على الأمر ، وإن تضعف عنه وعنهم فتستخف بأوليائهم تشفيا ، وإني أرجو ألا يخرجها الله عن الرشيد وولده ، وأن يقتلك دونها ، فإن صارت إليك - وبالله العياذ - فحرام عليّ العيش حينئذ ، والموت أطيب من الحياة معك ، واصنع حينئذ ما بدا لك ، فلما خرج
هامش
( 1 ) البيت في الأغاني 5 / 307 . ( 2 ) في الأصل : ( فقال له ) . ( 3 ) الذب : الدفع والمنع والمحاماة . ( 4 ) الأعلم : المشقوق الشفة العليا .