تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
أهل خراسان ، وجّه بهما إليه ليتفضل عليه بتعليمهما أصواتا اختارها وكتبها له في الدرج ، وقال له : كلما علمهما صوتا فادفع إليه ألف درهم حتى يتعلما بها مئة صوت ، فإذا علمهما الصوتين اللذين بعد المئة فادفع إليه الشهري ، ثم إذا علمهما الثلاثة التي بعد الصوتين ، فادفع إليه لكل صوت درجا من الأدراج ، ثم لكل صوتين بعد ذلك تختا وسفطا ، حتى ينفد ما بعثت به معك ، ففعل وانحدر بنا إلى بغداد ، واتينا إسحاق فغنّينا بحضرته ، وأبلغه الوكيل الرسالة ، فلم يزل يلقي [ ص 173 ] علينا الأصوات حتى أخذناها كما أمر سيدنا ، ثم صرنا إلى ( سرّ من رأى ) ، فدخلنا عليه وغنيناه جميع ما أخذناه فسرّ بذلك . وقدم إسحاق من بغداد إلى سر من رأى ، فلقيه مولانا فدعا بنا وأوصانا بما أراد ، وغدا بنا إلى الواثق ، وقال : إنكما ستريان إسحاق بين يديه ، فلا توهماه أنكما رأيتماه قط ، وألبسنا أقبية « 1 » خراسانية ومضينا معه إلى الواثق ، فلما دخلنا عليه قال له سيدي : هذان غلامان اشتريا لي من خراسان يغنيان بالفارسية ، فقال : غنيا ، فضربنا ضربا فارسيا ، وغنينا غناء فهليذيا ، فطرب الواثق وقال : احسنتما ، فهل تغنيان بالعربية ؟ قلنا : نعم ، واندفعنا فغنيناه ما أخذنا من إسحاق ، وإسحاق ينظر إلينا ، ونتغافل حتى غنيناه أصواتا من غنائه ، فقام إسحاق وقال : وحياتك وبيعتك وإلا فكل مملوك لي حر ، وكل مال لي صدقة ، إن لم يكن هذان الغلامان من تعليمي ، ومن قصتهم كيت وكيت ، فقام أبو أحمد وقال للواثق ما أدري ما يقول هذا ، إني اشتريتهما من رجل نخّاس خراساني ، [ فقال له ] من أين يجيد تلك الأغاني ؟ فضحك أبو أحمد وقال للواثق ، صدق والله ، أنا احتلت عليه ، ولو رمت بأن أعلمهما ما أخذاه منه إذا علم أنهما لي بأضعاف ما أعطيته ما فعل ، فقال له إسحاق قد تمت عليّ حيلته يا أمير المؤمنين .
هامش
( 1 ) الأقبية جمع القباء ؛ نوع من الثياب . ( وسمّي بذلك لاجتماع أطرافه ) . [ المراجع ] .