تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
هامش
- إذا حدث به ، ويستحيي منه ، كذلك يحدث له وقت السكر من الحرد والغيظ ، بل أشد . فلما يبتدئ بك الغضب وتحس بأنه قد ابتدأ يسكرك ، قبل أن يشتد ويقوى ويتفاقم ويخرج الأمر من يدك ، فضع في نفسك أن تؤخر العقوبة عليه إلى غد ، واثقا بأن ما تريد أن تعمله في الوقت لا يفوتك عمله في غد ، وقد قيل : من لم يخف فوتا حلم . فإنك إذا فعلت ذلك وبت ليلتك وسكنت فورة غضبك ، فإنه لا بد لفورة الغضب من أن تبوخ وتسكن ، وأن تصحو من السكر الذي أحدثه لك الغضب ، وقد قيل : إن أصح ما يكون الإنسان رأيا إذا استدبر ليله واستقبل نهاره . فإذا صحوت من سكرك فتأمل الأمر الذي أغضبك ، وقدم أمر الله عز وجلّ أولا والخوف منه ، وترك التعرض لسخطه ، ولا تشف غيظك بما يؤثمك ، فقد قيل : " ما شفى غيظه من أثم بربه " واذكر قدرة الله عليك وأنك محتاج إلى رحمته ، وإلى أخذه بيدك في أوقات شدائدك ، وهو وقت لا تملك لنفسك فيه شرا ولا نفعا ، ولا يقدر لك عليه أحد من المخلوقين ، ولا يكشف ما قد أظلّك غيره عز وجل . واعلم أن البشر يغلطون ويخطئون ، وأنك مثلهم تغلط وتخطئ ، وإن كان لا يجسر أحد على أن لا يوافقك على ذلك . فكما تحب أن يغفر الله لك ، كذلك غيرك يؤمّل عطفك وعفوك . وفكّر بأي ليلة بات المذنب قلقا لخوفه منك ، وما يتوقّعه من عقوبتك ، ويخافه من سطوتك ، واعرف مقدار ما يصل إليه من السرور وزوال الرعب عنه بعفوك ، ومقدار الثواب الذي يحصل لك من ذلك . واذكر قوله تعالى :وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌسورة النور - الآية 22 ، فإن كان ما أغضبك مما يجوز فيه العفو ، ويكفي فيه العتاب والتوبيخ ، والعذل ، والتهديد متى وقعت معاودة ، فلا تتجاوز ذلك . واعف ، واصفح ، فإنه أحسن بك ، وأقرب إلى الله تعالى ، والله سبحانه وتعالى يقول :وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى- المائدة - الآية 237 . وليس يظن بك المذنب ولا غيره أنك عجزت عن التقويم والعقوبة ، ولا قصرت بك القدرة . وإن كان مما لا يحتمل العفو عاقبت حينئذ على قدر الذنب ، ولم تتجاوزه إلى ما يوقع الدين ، ويفسد به أمرك ، ويقبح عند الناس ذكرك ، فإنما يشتد عليك تكلف ذلك أول دفعة وثانية وثالثة ، ثم يصير عادة لك وخلقا وسجية ، ويسهل عليك " . انظر : عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة 302 - 303 . 2
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 422 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام