تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
فلما كان في بعض الأيام اجتازا ، فلم يرياه ، فظنا أنه قد شغل عنهما ، ومن غد سألا عنه ؟ فقيل لهما : إنه الآن قد مات ! . فعجبا من ذلك ، وقال أحدهما للآخر : له علينا حق يوجب علينا قصده ومشاهدته ، فمضيا جميعا وشاهداه ، فلما نظراه ، تشاورا في فصده ، وسألا أهله أن يؤخروه ساعة واحدة ، ليفكروا في أمره ، ففعلوا ذلك ، وأحضروا فاصدا ففصده فصدة واسعة ، فخرج منها دم غليظ ، وكان كلما خرج الدم خفّ عنه ، حتى تكلّم وسقياه ما يصلح ، وانصرفا عنه . ولما كان في اليوم الثالث خرج إلى دكانه ، فكان هذا من المعجز لهما ، فسئلا عن ذلك ؟ فقالا : سببه أنه كان إذا قلى الكبد يأكل منها ، وبدنه يمتلئ دما غليظا وهو لا يحس ، حتى فاض من العروق إلى الأوعية ، وغمر الحرارة الغريزية ، وخنقها كما يخنق الزيت الكثير الفتيلة التي تكون في السراج ، فلما بدروه بالفصد نقص الدم ، وخف عن القوة الحمل الثقيل ، وانتشرت الحرارة وعاد الجسم إلى الصحة ، وهذا الامتلاء قد يكون من البلغم أيضا ، وقد ذكر أسبابه الفاضل " جالينوس " في كتابه في تحريم الدفن قبل أربع وعشرين ساعة . قال عبيد الله بن جبرائيل : ومن أحسن ما سمعت عن أبي الحسن الحرّاني : أنه دخل إلى قرابة الشريف الجليل محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - وكان إنسانا نبيل القدر ، قد عارضه ضيق نفس شديد ، صعب ، فأخذ نبضه ، وأشار بما يستعمله ، فشاوره في الفصد ، فقال له : لا أراه وإن كان يخفف المرض تخفيفا بيّنا ، وانصرف ، وجاءه أبو موسى المعروف ببقّة الطبيب ، وأبصر نبضه وقارورته ، وأشار بالفصد ، فقال له الشريف : قد كان عندي أبو الحسن الحرّاني الساعة ، وشاورته في الفصد فذكر أنه لا يراه صوابا . فقال بقّة : أبو الحسن أعرف ! . وانصرف ، فجاءه بعض الأطباء الذين هم دون