تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
المعتضد كان مهيبا ، ثم لما نترها قال له : يا أبا الحسن ! وكان يكنّيه في الخلوة [ وفي الملأ يسميه ] - سهوت ووضعت يدي على يدك وما هكذا يجب ، لأن العلماء يعلون ولا يعلون . وحكي أنه اجتاز يوما إلى دار الخلافة ، فسمع صياحا وعويلا ، فقال : من هذا ؟ قالوا : مات القصّاب الذي كان هنا فجأة . فأتى إليه وأمر النساء بالسكوت وأن يعملوا مزوّرة « 1 » ، وأمر بعض غلمانه أن يضرب القصّاب على كعبه بالعصا . وجعل يده مجسّة ، وما زال ذلك يضرب كعبه إلى أن قال : حسبك . ثم استدعى بقدح وأخرج من كمّه دواء ، فذافه « 2 » في القدح بقليل ماء ، وفتح فم القصّاب وسقاه إياه فأساغه ، ووقعت الصيحة في الدار والشارع بأن الطبيب قد أحيا الميّت ! . فتقدّم ثابت يغلق الباب ، وفتح القصاب عينه ، وأطعمه المزوّرة ، وأجلسه ، وقعد عنده ساعة ، وإذا برسل الخليفة يدعونه . فلما مثل بين يديه قال له : يا ثابت ! ما هذه المسيحية التي بلغتنا عنك ؟ . فقال : يا مولاي ! كنت أجتاز بهذا القصاب وأراه يشرّح الكبد ، ويطرح عليها الملح ، ويأكلها . وكنت أعلم أن سيلحقه سكتة . فأعددت له هذا الدواء ، فلما قيل لي اليوم إنه مات فجأة البارحة ، علمت أن السكتة قد لحقته ، فدخلت إليه فلم أجد له نبضا ، فضربته إلى أن حركت نبضه ، وسقيته الدواء ففتح عينيه ، وأطعمته مزوّرة ، والليلة يأكل رغيفا بدرّاج ، وفي غد يخرج من بيته .
هامش
( 1 ) : المزوّرة : بوزن المفعول - مرقة يطعمها المريض ، مولّدة ، وقال الفقهاء في الإيمان : هي ما يطبخ خاليا من الأدهان ، قاله الخفاجي في شفاء الغليل 231 ، 242 ، وكذا انظر : قصد السبيل للمحبي 2 / 465 - 466 . ( 2 ) : الذّفاف : البلل ، وفي الصحاح : الماء القليل ، وجاء في اللسان : وذفت : خلطت ، فيكون بمعنى خلط أي خلط بماء قليل .