تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
فتعجّب وأمر الفتح بن خاقان أن يتتبع حال تلك الروائح ، حتى يعرف صورتها . فخرج يطوف ، فوجد حول البيت من خارجه ومن سائر نواحيه وجوانبه أبوابا صغارا لطافا كالطاقات محشوّة بصنوف الرياحين والفواكه ، واللخالخ ، والمشامّ التي فيها التفاح والبطيخ المستخرج ما فيها المحشوة بالنمّام « 1 » ، والحماحم اليماني « 2 » ، المعمول بماء الورد والخلّاف ، والكافور ، والشراب العتيق ، والزعفران « 3 » الشعر . ورأى الفتح غلمانا قد وكّلوا بتلك الطاقات ، مع كل غلام مجمرة فيها ندّ يسجره « 4 » ، ويبخّر به البيت من داخله إزار من اسفيداج « 5 » مخرّم خروما صغارا لا تبين ، يخرج منها تلك الروائح الطيبة العجيبة إلى البيت . فلما عاد الفتح وشرح للمتوكّل صورة ما شاهده ، كثر تعجّبه منه ، وحسد بختيشوع على ما رآه من نعمته ، وكمال مروءته ، وانصرف من داره قبل أن يستتمّ يومه ، وادّعى شيئا وجده من التياث « 6 » بدنه . وحقد عليه ذلك ، فنكبه بعد أيام يسيرة ، وأخذ له مالا كثيرا لا يقدّر ، ووجد له في جملة كسوته أربعة
هامش
( 1 ) : النّمّام : نبت طيّب ، مدرّ ، مخرج الجنين الميّت والدود ، ويقتل القمل ، وخاصّيّته النّفع من لسع الزّنابير شربا مثقالا بسكنجبين . قاله في القاموس مادة نمّ . ( 2 ) : الحماحم : ريحانة معروفة ، الواحدة حماحمة . وقال مرة : الحماحم بأطراف اليمن كثيرة وليست ببرية وتعظم عندهم . قاله في لسان العرب . ( 3 ) : الزعفران : شجر تصبغ به الثياب ( 4 ) : النّدّ : طيب ، ويكسر ، أو العنبر . ذكره في القاموس . وقوله : " يسجره " أي يحرقه بالمجمرة . ( 5 ) : الاسفيداج ، بالكسر : هو رماد الرصاص . قاله في اللسان . ( 6 ) : الالتياث : الاختلاط ، التلويث .