يوقد العود الهندي ، وعليه غلال « 1 » قصب في نهاية الرفعة ، فلما حصلت معه في الطارمة ، وجدت من الحرّ أمرا عظيما ، فضحك وأمر لي بغلالة قصب ، وتقدّم بكشف جوانب الطارمة ، فإذا مواضع لها شبابيك خشب بعد شبابيك حديد ، وكوانين فيها فحم الغضا « 2 » ، وغلمان ينفخون ذلك الفحم بالزقاق « 3 » ، كما يكون للحدادين .
ثم دعا بطعامه ، فأحضروا ما جرت به العادة من السرور والنظافة ، وأحضرت فراريج بيض ، شديدة البياض ، فبشعتها « 4 » ، وخفت أن تكون غير نضيجة ، ووافى الطباخ فنفضها فانتفضت ، فسألته عنها ؟ فقال : هذه تعلف الجوز المقشر ، وتسقى اللبن الحليب .
وكان بختيشوع بن جبرائيل يهدي البخور في درج ، ومعه درج آخر فيه فحم ، يتخذ له من قضبان الأترج ، والصفصاف « 5 » ، وشنس « 6 » الكرم المرشوش عليه عند إحراقه ماء الورد المخلوط بالمسك والكافور ، وماء الخلاف « 7 » ، والشراب العتيق . ويقول : أنا أكره أن أهدي بخورا بغير فحم [ فيفسده فحم ] « 8 » العامة ، ويقال : هذا عمل بختيشوع ! " .
قال أبو محمد بدر بن أبي الأصبغ عن أبيه عن أبي عبد الله محمد بن
هامش
( 1 ) : الغلالة : ثوب رقيق يلبس تحت ثوب صفيق .
( 2 ) : الغضا : شجر من الأثل خشبه من أصلب الخشب وجمره يبقى زمنا طويلا لا ينطفئ .
( 3 ) : الزقاق : واحدها " زق " وهو جلد يجز ولا ينتف .
( 4 ) : بشعتها : أي استقبحتها ، خشية أن تكون نيئة لا تؤكل .
( 5 ) : الصفصاف : شامية أو عبرانية ، شجر الخلاف ، وهو شجر حرجي مائي ، ذكره في قصد السبيل 2 / 229 .
( 6 ) : الشنس : قضيان الشجر ، أعجمي .
( 7 ) : الخلاف : طيب يستخرج من دم الحيوان يدعى غزال المسك .
( 8 ) : ما بين المعقوفتين ساقط من النسخة المخطوطة استكملناه من عيون الأنباء 204 .