والبحر الملتطم ، والسهم الذي لا يردّ إذا خرج من اليد ، والسيف الذي إذا ضرب ، لا يرجع حتى يفجع . والأرقم الذي لم يقبل بل أسقم . وتماديت على ناظر ما أسقطت ، وإظهار الضنانة بما التقطت . فلم ألبث أن عاد رسوله إليّ مسرعا وسلّم عنه ، إمّا أدى الأمانة أو قال متبرعا ، ثم أخرج إليّ منه ورقة كاغد ، فقرأتها ، فإذا فيها : [ الطويل ]
أتاني من الأوراق ثنتان فلتجد * بثالثة من كان جاد وأفضلا
بها يكمل الجزء الذي كان ناقصا * وكم ناقص كمّلته فتكمّلا
وكم لشهاب الدين عندي من يد * بتقبيلها كادت يدي أن تقبّلا
ومن يكن الفاروق جدّا له يكن * لذي العالم العلوي أشرف منزلا
دعوت أمير المؤمنين لأنه * به بدأ الإيمان واعتزّ واعتلى
فأنجله منه مشابه علمه * وعزة نفس قد أتتّ أن تذلّلا
تجافى عن الدنيا وعن زهراتها * وأعرض عمّا غيره كان مبتلى
فلا ذكر إلّا في علوم يبينها * ولا فكر إلّا في القران إذا تلا
فأرسلت له الورقة المعوّزة ، وتقاضيت بتجهيزها مدائحه المنجزة ، وأعدت إليه الرسول على الحافر ، بقصيدة تحكي صبحها السافر : [ الطويل ]
بقيت أبا حيّان كنزا مؤملا * ودمت لأهل الفضل كهفا وموئلا
فأنت إمام العصر غير منازع * ولا نازل إلّا السّماكين منزلا
سحاب الندى بحر الجدا علم الهدى * خصيم الردى كبت العدا كوكب العلا
وأقسمت ما ضمّت شبيها لفضله * مجاري مدار الشّهب برّا مفضّلا
إمام تقيّ ما تقدّم مثله * أتى آخرا عصرا وقد بزّ أوّلا
عقائل تصبينا ولم تدر ما بنا * لهان عليها أن تقول وتفعلا
أما وهواها لم أقل لصبابتي * أما وهواها غدرة وتنصّلا
فعند رضا الأحباب جبر وديمة * وعند العتاب الموجري متنصّلا
تألّق برقا ثم أرسل مزنة * فخوّف أحيانا بها ثم حوّلا
أتاني قصيد منه ما السحر غيرها * فكم غادرت لفظا لبالي مبلبلا