تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
إن كنت مختبرا فأعنت وقل أبدا * ما شئته لتراني لست أعتاز
ومن عديّ بن كعب أسرتي ولنا * ببطن مكة في البطحاء أركاز
والآن أرسلت ما أرسلت تطلبه * منطّق الخرس قول الحق أرماز
نجزت وعدك لّما قلت منتدبا * ما إن للكرم الموعود إنجاز
فأخذ قاصده الجواب ، ومعه منطّق الحزس ، خلا ما أخرته ؛ قصدا للمطايبة وحبّا لدوام المطالبة ، ثم ذهب هذا وعمر اليوم قد تصرّم ، ولهب الأصيل قد تضرّم ، والنهار سائل لجينه على المغرب قد تكرم . والطير قد أكثر الصياح كأنه لفراقه قد تبرّم . وقطعت سواد تلك الليلة مفكرا في الشيخ ونشاطه وخفة روحه وانبساطه . ولا أظن أنه يزورني في صبيحة غد ؛ ليتم ما يصنعه في الغضب ، ولا يظهر أن زاخره الهائج نضب . فما كان إلّا أن شقّ النور ثوب الظلماء ، وبدّل بياقوت الشفق لؤلؤ سماء ، ووقت الفجر ما ضاق ، وجدول الصباح قد شرع بتموج نهره الرقّاق ؛ وإذا بالباب يطرق وحسّ حمار ينهق . فأمرت من حضر بفتح الباب للطارق ، وزجر شيطان ذلك الحمار الناهق وقلنا : ألا طارق يطرق بخير ، وراكب حمار لا يخاف منه ضير ، وإذا بالشيخ قد دخل ، وسلّم ، وسكت وإلّا كان تكلّم . فلم أر ساعة أسرّ من حين مقدمه ، ولا خفا كان وفيه أكثر من تقبيل قدمه ، وما كان إلّا أن حضر يطوي ما كان في أمس وطلع علينا هو والشمس . وطلّنا في يوم لا عيب فيه غير قصر ، وسرور لا شيء فيه إلا فرط نداه في يد مهتصر « 1 » . واستشدى موشحات كبت نظمها وبلغته ، ولم يقف عليها ولا سوغته . فأبرزت له ما ظنّ أنه من الأندلس وزفّ من الغرب فاق العرس ، فقال فيها ما هو أهله من الجميل ، وما عهدت من جنابه الجزيل . ثم أخذ يسألني عن الشخص الذي أشرت إليه في القصيدة فوفيت بما ضمنت من كتمانه وبحثه عن طريقه ؛ فظنّ أنّ الفاضل شمس الدين محمد ابن الصائغ الزمردي هو ذلك الشخص . وكان لا يراه إلّا بعين النقص فلما اشتدّ هذا عنده وتصوّره ، ورجع بباطنه فيه إلى آرائه المنكرة ، فبعث إليّ بقصيدة يذكّر فيها ، ويذكر الإمام أبا عبد الله ابن الصائغ الأموي ذكرى متوافية ، ولم يك للأول كنت ولا للثاني ،
هامش
( 1 ) مهتصر : الهصر : الكسر ، والجذب والميل . اللسان ( هصر ) 15 / 96 .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 250 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام