تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
ومن تطير مع النّسرين أرجله * فليس يدركه بضّي ولا خرزي « 1 »
فامنن بعفو جميل لا تكدّره * فالعفو في شيم الأشراف كالطّرز
فكرّ رسوله راجعا في بكرة غده ، وأتى إليّ بورقة يحملها في يده ثم ناولنيها ، وقد برقعه الحياء بصفرة ، وأطرق كأنه يردى في حفرة . وكان الشيخ قد علّم ذلك الصبي هذه الحيلة ، وأراد أن يكبر عندي هذه الطلابة القليلة . وفطنت للمراد ووطيت من جمره على الرماد ، وقرأت قصيدته غير مكترث ، وقلت له : يعين الله على خلاصي من الذمة قول منبعث ، فقال : أنا في قيد الجواب ، لا أبرح حتى استصحبه ، وأرى معي أبيات إنباته مصحبه ، فتتبعت أثره ورددت عليه أو أكثره ، وعدلت له فرحا بمصاب ، وخلطت له عسلا بصاب ، وعرّفته قدر صنائعه وقيمة رائعه وإنّ تحفته ليست سنيّه ، وثمرات رطبه غير جنيّه . ثم ثبت له على الحق وقطعت بإرسالها سبية من غير رقّ ؛ إلّا أنني أخّرت له أوراقا من الكتاب المعار ، والطلب الذي عقد لأجله النقع المثار ؛ حبّا لمداعبته ، وإيثارا لدوام مطالبته . وكان الذي كتب إليّ : [ البسيط ]
ما إن للكرم الموعود إنجاز * يا من له الفضل والإحسان ينجاز
أشبهت في النظم باللفظ البديع وبال * معنى الغريب لنظم فيه إنجاز
ما يشبه البحر في أمواجه ثمد « 2 » * ولا الصدور نشا المذكيّ إعجاز
إن كان أشبهك الأعلام في شرف * فأنت بالعمّة العلياء تمتاز
سموت للعالم العلويّ حيث يرى * للنيّرات به فخر وإعزاز
يمضي زمان ونور النيّرين معا * يخفى وللشّهب في الآفاق إبراز
فلا يملن إلى ما كان من عرض * للجوهر الفرد فالأعراض أوفاز
في لذّة العلم ما يعني الأريب به * عن ريبه غيركم ما إن بها فازوا
ما كان إلّا انتقال من عل لعل * فيه لمنصب فضل اللّه إحراز
هامش
( 1 ) بضي وخرز : أسماء الطيور الصيد . ( 2 ) ثمد : الماء القليل . اللسان ( ثمد ) 2 / 125 .