يوصله إليه . وعرضت لي عوارض حال ، فيها الجريض دون القريض « 1 » ونوائب يكفي في ذكرها العريض . ثم تمادت المدّة وطالت ودالت دول الشواغل واستطالت . ومؤدى تلك الأمانة قد شغله عنها النسيان ، وأغفله عنها عدم مرورها منه على الخاطر . وكان شيخنا رحمه الله على سعة بحره يظنّ من حزازاته حتى بقدر ظفر الإبهام ، ويغزو بالمطالبة لها غزو الجيش اللهام . وداخله الظنّ أنني تعمّدت تأخيرها لقصورها عن حسن أخواتها ، أو لأدرجها بالمطالة تحت ذيل قواتها ، فكتب إليّ : [ البسيط ]
منطق الخرس صبرا لا يراك أبو * حيّان حتى يعود القارظ العنزي
حصلت في كفّ شهم لا ينال له * غور كريم الثنا والأصل محترز
إذا استعار كتابا لا يعود لمن * أعاده فعل أب للضّيم محتجز
حبّ الفضائل قد ألهاه لا طمع * منه ولا يحلّ إلى نداه عزي
هذا وشيمته بذل اللّهى ويرى * إسداءه للنّدى من أعظم النّهز
اضطرّ قلبي لتأليفي لتبصره * عيني كما اضطرّ صدر اللّبيب للعجز
ومن يقابل بالنبراس شمس ضحى * كمن يقابل لجّ البحر بالنّزز
وقد تشوّقت للبكر التي نشأت * من فكره طفلة « 2 » ليست من العجر
فابعث بها يا إمام العصر سالمة * وحلّها بنفيس الدرّ لا الخرز
بحر تناءى يفوق المسك نافحه * إنّ الكرام لما قد حزت لم تحز
يسرى ثنائي في الآفاق منتهبا * يجوز حيث الدّراري السبع لم تجز
ما فاز ذو شرف بالمدح من أحد * إذا بمدح أبي حيّان لم يفز
ولم يمز جاهلا من عالم أحد * إذا يكون أبو حيّان لم يمز
وقد جزيت مسيئا بالجميل فلا * أكون ممن بسوء في الجميل جزي
هامش
( 1 ) هو من أمثال العرب . والجريض : الغصّة ، والقريض : ما يردّه البعير من جرّته في أثناء المضغ . اللسان ( قرض ) 11 / 112 .
( 2 ) طفلة : رخصة ، ناعمة . اللسان ( طفل ) 8 / 174 .