تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
ومنهم :

50 - أحمد بن سباع بن ضياء الفزاري « 13 »

الشافعي الخطيب ، شرف الدين أبو العباس . رجل وجد له إلى الخير ابتعاثا ، وجدّ حتى علق الثريا رعاثا « 1 » . أعرف في فزارة ، وأعتق إلى العلم قراره . وسكت فطنا ، وسكن العلياء وطنا . ورقي المنابر فكان المنى بروائه ، والريّ بأنوائه . فنوّر البصائر ، وصوّر ما إليه المرء صائر . هذا كله مع تجنّب التعقيد ، وتسلية الفقيد ، والتبصير بالدنيا وغرورها ، والتذكير بما ردّ العقول إناثا من عدم سرورها . ولم يزل على هذا حتى صار مثلا من أمثالها العوابر . وواحدا من سفارها إلى أن حضر المقابر فلا تسمع إلا همسا ، ولا تطلع لهم إلى يوم القيامة شمسا . كان من أكابر العلماء الفضلاء ، بصيرا بالفقه ، فردا في النحو والعربية ومعرفة اللغة ، ضابطا محرّرا خطيبا فصيحا ، لسنا كيّسا ظريفا ، دمث الأخلاق ممهّد الأكناف . ليس بالجافي اللفظ ، ولا بالشحيح ، لكن إلى دين متين ، وورع زائد ، يحب الناس ويحبّونه ، ويليهم ويلونه . من أخذ عنه أخذ ، ومن أخذ عن غيره أتاه عند الانتهاء ليأخذ عنه ، وإن كان في غنى بما حصل ؛ تشرفا بالأخذ عنه والانتساب إليه . وكان على رأي أخي العلامة تاج الدين يحضر السماع ، ويخرج إلى البساتين والمتنزّهات ، ويتمشّى تحت قلعة دمشق ، ويقف على الخلق بها . وربّما قعد كيّسا وتطرّفا من غير كبر يرفعه ولا تبذّل يضعه ، ومن كان فوق محلّ النجم موضعه . وكان يحب الوجوه الصباح ، ويميل إلى الكلف بالملاح ، مع عفاف يشهد به ، ويتقرّى الليل عن صاحبه . وكانت تجري بينه وبين أخيه تاج الدين نوادر ما تراشق بمثلها
هامش
( 13 ) ترجمته في : طبقات الشافعية 2 / 173 . توفي سنة 690 ه . ( 1 ) رعاثا : الرعثة هي القرط ، وجمعها رعاث . اللسان ( رعث ) 5 / 241 .