تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
الظرفا ، ولا نودم بشبيهها الخلفا . وحكى لي شيخنا ابن قاضي شهبه ، رحمه اللّه : أنه كان معه مرة في بستان دعي إليه ، فأقاموا به يومهم . فلما جاء وقت العشاء قدّمت إليهم أنواع من الأطعمة ، منها لبنيّة ، فلمّا أكلوا قال رجل هناك لأصحاب البستان : هذه اللبنية مليحة ، بيّتوها لنا عندكم إلى غد . فقال الشيخ شرف الدين : لا والله لا كيد ولا كرامة بغد ، إنها مليحة ما يبيتها إلا أنا ولا تبات إلا عندي . وحكى لي المحبّر أبو القسم ابن مبشّر الحولاني ، قال : لمّا شغرت وظيفة الخطابة بدمشق تطلّع كلّ متعيّن إليها . فقال والدك : مالها إلا الفزاري وعيّنه . فلمّا وصل التوقيع الشريف له بعثني به إليه ، وهو لا يعلم ، ففرح ثم قال : قل له يا سيدي قد وصلت الوريقة وبقيت الخريقة ، يعني الخلعة . فأتيت والدك وبلّغته ما قال فضحك ، ثم أمر بالخلعة فعينّت له وجهّزت إليه . وحكى عنه اليونيني قال : حججت سنة خمس وسبعين وستمئة ، فاجتمع في تلك السنة في الحج جماعة من علماء الأقطار : ابن العجيل من اليمن ، وابن دقيق العيد من مصر ، وأخي تاج الدين الفركاح من الشام في ناس آخرين ، فاجتمعوا في الحرم ، وكان عبد السلام بن غانم الواعظ قد حجّ من مصر ، فجلس تجاه الكعبة المعظمة وحضر أمير مكّة ، وأمر عبد السلام بأن يتكلّم ، فقال : الحمد للّه ذي القدرة التي لا تضاهى ، والحكمة التي لا تتناهى ، والقسمة التي لا يطيق خلق يتعدّاها . ثم ذكر خطبته ، ومنها في ذكر الكعبة المعظمة . فسبحان من شرّف هذه البنيّة واصطفاها ، وجعلها حمى لمن حول حماها ، وحرما آمنا لمن وفّى عليه لما وافاها ، ووجهة لمن واجهها اتجاها ، وأراد عندها جاها فهي التي هاجر منها الحبيب وما هجرها ولا قلاها ، وما انقلب قلبه إلى قبلة سواها حتى أنزل عليه جبريل في آيات تلاها :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها
« 1 » .
هامش
( 1 ) البقرة 2 / 144 .