تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
وهو حسبي ونعم الوكيل . فانجدر ما يبتدي به ما يغنينا من وصف حالنا ، وهو ما يقال في السجن قد قيل : إنّ السجن محكّ العقول وتجربة المأمول . به يمتحن الصبر من الأحرار ، ويكشف العقل والوقار . وألطف ما قيل فيه قول بعضهم ، وهو معلقة : [ البسيط ]
السّجن أصبح مثل النار مضرمه * والحرّ فيه إذا فكّرت كالذهب
يصلى بنار هموم في جوانحه * تنفي المآثم من حسد ومن لغب « 1 »
وبشعره أبيات ابن الجهم « 2 » بين الناس لم يذكرها ، وهي قوله : [ الكامل ]
قالوا حبست فقلت ليس بضائري * حبسي وأيّ مهنّد لا يغمد
ولمعلقه : [ البسيط ]
لا عار في السجن للأحرار إن سجنوا * لغير جرم ولكن سجنهم شرف
فإنّ آل رسول الله كان لهم * منه نصيب ولم يجنوا ولا اقترفوا
كالسيف والدرّة الزهراء سجنهما * خوفا وضنّا بها الأغماد والصدف
قال : وكتب : بعض الأوقات منضجعا في علوّ ، كنت آوي أيّام سجني بقلعة الموصل ، وإذا بحمامة تهتف في أعلى ذلك الموضع ، فعرض لي طرب حزن ، وجدت منه راحة بالبكاء . فقلت : لله درّ غيلان « 3 » كأنه أوحى إليه قوله : [ الطويل ]
فإنّ انحدار الدمع يعقب راحة * من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل « 4 »
فعملت أبياتا ، وهي : [ الكامل ]
وحمائم غنيّن في رأد الضحى * طربا فقلت مقالة المحزون
هامش
( 1 ) لغب : اللغب : الشيء الفاسد ، والإعياء ، والضعف والحمق . اللسان ( لغب ) 12 / 294 . ( 2 ) أبو الحسن علي بن الجهم بن بدر بن الجهم ، أحد الشعراء المجيدين ، له ديوان شعر مشهور ، وله اختصاص بجعفر المتوكل ، توفي سنة 249 ه . وفيات الأعيان 3 / 355 ، والبيت مطلع قصيدته في ديوانه ، ص 41 . ( 3 ) يعني الشاعر ( ذو الرمة ) . ( 4 ) البلابل : وسواس الصدر . اللسان ( بلل ) 1 / 493 ، وينظر : ديوان ذي الرمّة ، 575 .