تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
كن معدما ومن المعالي مقربا * من جدّ في العلياء أصبح معدما
واسمع أقامت في جنابك دولة * يخشى لها البؤسا ونرجو الأنعما
مدحا كنور بات يصقله الندى * ليلا وباكره النسيم مهينما « 1 »
غرّا كريم الأيد غير مصونها * إلا إذا ألفت أغرّ مكرّما
ما صافحت فكر الفصيح ونطقه * إلا أعادته عييّا مقحما
لو شام رونقها الوليد جفالها * أمحلّتي سلمى بكاظمة اسلما
واسلم ليسلم كلّ مجد إنّه * لن تسلم العلياء حتى تسلما
شرّفت أبكار القوافي مثلما * شرّفت دهرا كنت فيه القيّما
قال ابن المستوفي : نقلت من أوّل مجموع بخطّه ما صورته : لمّا أنفذ الله سبحانه وتعالى في سهام قضائه ، وامتحنني في الدنيا ببلائه ، ونظمني في سلك من غبر من أوليائه ، ومن اجتباه من أنبيائه وأصفيائه الذين أنطق بمدحهم كتابه وأجزل لهم ثوابه . فقال :
« وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
« 2 »
»
، مدّت إليّ الأيّام باعها ، وقرتني الأجداف ذراعها ، وأدارت على كأس مدامها ، وغرّتني بابتسامها ؛ فلم أفق من نشوتها ولا فقأت خمّار خمرتها ألا وقد بدّلت بكل قريب بعيدا ، وبكل وصل صدودا . وأصبح السجن لي منزلا أهلا ، والأشجان لي مناهلا ؛ حتى رمقتني من الله عين رحمته ، وكنفتني ظلال رأفته ، فأتاح لي جليسا ، جعل الله بوحشة السجن به آنسة الربع والمربع ، ومقر متارعه عذبة المكرع . يقصر الخاطر عن تعداد معاليه ، ويقصر النطق عن إظهار معانيه . وما محاسن شيء كلّه حسن ؟ فاقترح عليّ أن أجمع تذكرة ممّا يمليه الخاطر عليّ ، ونسخ به إليّ ، تكون له ، إن منّ الله تعالى علينا وعليه بفكاك الأسر ؛ لمذاكرة أيّام البؤس ، والزمن العبوس ؛ ليواصل حمد الله سبحانه على ما انجاب من غمامها ، وانجلى من ركامها . فأجبته إلى ذلك بصدر غير منشرح ، وقلب غير فرح ، والثغر يفتر ، والأحشاء تحترق ، والله المستعان وإليه الشكوى من كلّ بلوى .
هامش
( 1 ) مهيمنا : الهينم : الكلام الخفي . اللسان ( هنم ) 15 / 148 . ( 2 ) محمد ، 47 / 31 .