تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
عليه ويأخذ من عرضه ، وشيخنا لا يجيبه عن ذلك ؛ لورعه ودينه . وكان خبيث اللسان سيّئ العقيدة ، مقيما على شرب الخمر . يتمثل إذا أخذ منه السكر : اليوم خمر وغدا أمر . هجّاء لكل من صحبه . لم يحسن أحد إليه إلا وقابله بالإساءة . كثير الاستهزاء بالأمور الدينية ، كثير الخلطة لأوباش الناس والشرب معهم . رحل في صحبة أبي إسحاق إبراهيم بن عبد السلام إلى السلطان أبي المظفر يوسف بن أيوب ، فمدحه فأحسن صلته . ولمّا وصل إلى الموصل تنكّر له صاحبها أبو الفتح مسعود بن مودود . فلمّا ولي ولده أبو الحرث أرسلان بن مسعود أحسن إليه ، وولاه بعض أعماله . وكان يحضر مجلس شرابه ، فنقل إليه أنه هجاه فلم يصدّق ذلك لعدم الموجب له . فاتفق أن أمر بإحضاره وسأله عن ذلك ، فأنكر ، فأمر بضربه بالدّرة ، فلما ضرب سقطت ورقة من عمامته ، فيها الهجو الذي نقل عنه ، فشهره في الموصل بأسرها ، وحلق لحيته وحبسه ، فأقام مدّة طويلة . وولد له بالحبس ولد وتوفي ، كما ذكر المواصلة « 1 » محبوسا . قال ابن المستوفي : وحدثني أبو المهنّد سيف بن محمد الزيلعي قال : نزل بي إنسان بدوي ، كان حبسه أتابك ، أبو الحرث لمّا أسره مع من أسر من العرب في وقعة كانت له عليهم . قال : رأيت في محبس الموصل رجلا فاضلا شاعرا ، فسألته عن سبب حبسه ، فذكر أنه حبس لهجو بلغ عنه الأتابك . قال : وو الله ما هجوته ؛ وإنما قلت قصيدة منها : [ البسيط ]
أعيذ مجدك من قدم أقول له * إني زهير ولكن ليس لي هرم
فحبسني كما ترى . ومن شعره قوله : [ الكامل ]
طربا أقول إذا الحمام ترنّما * عيش لنا بالأنفقين تصرّما
قصرت مسافته فكان كزائر * وافاك في سنة الرّقاد مسلّما
أشكوتنا عدة تعيّن كلّما * نهنهت فيض دموعها فاضت دما
هامش
( 1 ) يقصد بهم ، أهل الموصل ، مدينة في العراق .