تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
شاعر كندي ، لمّا أفرغت بين يديه الجائزة المشهورة ، وأمر بردّها إلى كيسها ، فعلقت قطعة منها في خلال الحصير ، فجعل يعالجها ويقول : [ الطويل ]
تبدّت لنا كالشّمس تحت غمامة * بدا حاجب منها وطنّت بحاجب
ولمّا ظفر بها ، وخاف العتب من الحاضرين ، قال : لا تحقروها فإنّها تحضير المائدة . فكان عذره أنجس من ذنبه . ولو بيع هذا لطال ، ودع عنك هذا كله لو كان الخادم ممّن يهون عليه التبذل لكدي بني شادي الذين هم فتيان الجود وبرامكة الزمان ، لا سيّما المولى عزّ الدين أدام الله نعمته ، الذي يمينه أندى من الغمام ، وعزيمته أمضى من الحسام ، ووجهه أبهى من البدر ليلة التمام . وهو على الحقيقة نهر للجود من ماء السماء ابن بحر السماح . [ الكامل ]
ورث المكارم من أبيه وجدّه * كالرّمح أنبوب على أنبوب « 1 »
وأي رجل أخسّ وأعتى من رجل يكدي الكندي الذي لقبه أبى أن يأخذ ويترك المولى عزّ الدين الذي لقبه أبو المواهب . وما هو في ذلك إلا كرجل ورد على هذا النيل فتركه ناحية ، وحفر إلى جانبه في أرض صلبة سبخة كبريتية ، لعلّه أن يخرج له ماء ملحا زعاقا « 2 » ، ويترك الماء العذب الزلال بغير كلفة ولا عناء . وأنشد : [ المتقارب ]
وإني وتركي ندى الأكرمين * وقدحي بكفّي زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء * وملبسة بيض أخرى جناحا
كأني أدام الله عزّه إذا قرأ هذا البيت قال : أحسنت . وهذا ممّا كنّا فيه ، لمّا يئس من العبد رجع إلى المولى . واللّه لا تمّ لي معي مضرب أبدا يئيس الأمن ، كما ظنّ . والوهراني ما هو مجنونا يطمع فيّ فيمن يسمع قولك . ويرجع إلى رأيك ، وأنت الغالب على أمر ، امرأة الواهراني طالق ثلاثا البتة ، لا آخذ منه درهما أبدا . وأشهد أنّ ماله عليه حرام ، كالدم والميتة ولحم الخنزير .
هامش
( 1 ) أنبوب : ما بين العقدين من القصب والرمح ، وقيل : كعب الرمح . اللسان ( نبب ) 14 / 10 . ( 2 ) زعاق : ماء زعاق : مرّ غليظ لا يطاق شربه . اللسان ( زعق ) 6 / 45 .