وأدنى سراري من سرائر قلبه * فلم يبق من دون الضّميرين حاجب
وكان عصا موسى لديّ وداده * أصلّي ولي ما عشت فيه مآرب
ولا عجب أن غيّر الدّهر صاحبا * وكل تصاريف الزّمان عجائب
وما كان ذنبي غير أني ذخرته * لدهري إلا أنّي للدهر تائب
ولست على هجرانه الدّهر ناكبا * على الودّ لكني على الوصل ناكب « 1 »
سأمنحه هجرا كما هو مشته * فإنّي فيما يشتهيه لراغب
وإن هو بعدي جرّب النّاس كلّهم * ليحظى بمثلي قد رمته التّجارب
وله أيضا : [ الطويل ]
قدمت فلم أترك لذي قدم حكما * كذلك عادى في العدا والنّدى قدما
إذا وطئ الضّرغام أرضا تطانفت * خطا وحشها عنه فوسّعها هزما « 2 »
كما مرّ باز بالفضاء محلّق * رأته بغاث الطّير حتفا لها حمّا
وإن أك في صدر من العمر شاردا * فكم نفر عن همّتي لقن الهمّا
سبقت إلى غايات كلّ فضيلة * تعزّ على طلّابها العرب والعجما
وملّكني رقّ المناقب أنّني * أحطت بآداب الورى كلّها علما
فما منصب ممن ترقّت به العلا * ترى فرقه من أخمصي فوقه وصما
أبى لي مجدي أن يراني شاعرا * يريه منانا أخذ جائزة غنما
ولكنّني أهدي الثّناء لأهله * وأكبره عن أن أملّكه قدما
فآونة نثرا يحلّ [ به ] الحيا * وآونة تنشأ العقول بها نظما
قريضا هو السّحر الحلال بيانه * تروق معانيه ولو ضمن الشّتما
تعظّم إلا عن عظيم محلّه * يعظّم ما فيه من الحكمة العظمى
هو الفضل في الإنسان أمّا أعزّه * فنقص إذا ما سامه الذلّ والهضما
ولولا على الملك الّذي عزّ مثله * على الدهر فرّخشاه ذي الشرف الأسمى
هامش
( 1 ) نكب : عدل ونحّى . اللسان ( نكب ) 14 / 275 .
( 2 ) تطانفت : غشيت وأشفّت . القاموس المحيط 3 / 175 .