تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 611

مساهمون:

ص٦١١
ضرير ، فسأله الوليد عن عينه ، فقال : يا أمير المؤمنين بت ليلة في بطن واد ، ولا أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي ، فطرقنا سيل فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد غير بعير وصبي مولود ، وكان البعير صعبا فندّ ، فوضعت الصبيّ واتّبعت البعير ، فلم أجاوز إلا قليلا حتى سمعت صيحة ابني ورأسه في فم الذئب وهو يأكله ، ولحقت البعير لأحبسه ، فنفحني برجله على وجهي فحطمه وذهبت عيناي ، وأصبحت لا مال لي ولا أهل ولا ولد ولا بصر . فقال الوليد : والله ما بك حاجة إلى المشي ولا أرب في السعي وقد تقدّمك عضو من أعضائك وابن من أبنائك إلى الجنة ، والكل تبع للبعض / ( ص 253 ) إن شاء الله تعالى ، وقد أبقى الله لنا منك ما كنّا إليه فقراء ، وعنه غير أغنياء من علمك ورأيك ، نفعك الله وإيانا به ، والله وليّ ثوابك والضمين لحسابك « 1 » . ولما قتل عبد الله بن الزبير قدم أخوه عروة على عبد الملك بن مروان ، فقال له يوما : أن تعطيني سيف أخي عبد الله ، فقال : هو بين السيوف ولا أميّزه من بينها فقال عروة : إذا حضرت السيوف ميّزته أنا ، فأمر عبد الملك بإحضارها فلما حضرت أخذ منها سيفا مفلّل « 2 » الحد ، فقال : هذا سيف أخي ، فقال عبد الملك ، كنت تعرفه قبل الآن ، فقال : لا . فقال : كيف عرفته ؟ فقال بقول النابغة الذبياني « 3 » : [ الطويل ]
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب
واحتفر عروة بئرا بالمدينة وهي منسوبة إليه ليس بالمدينة بئر أعذب من مائها .
هامش
( 1 ) مناسبة ذكر هذه الحادثة في ترجمة عروة بن الزبير ، وهو ذكر صبر عروة على ما أصابه من الفواجع في نفسه وولده . والشيء بالشيء يذكر فأورد المصنف صبر رجل آخر فجع في نفسه وولده وماله . والله أعلم . ( 2 ) مفلّل : مثلّم الحد . به فلول أي ثلمات . انظر المعجم الوسيط 2 / 702 . ( 3 ) النابغة الذبياني : هو زياد بن معاوية ، شاعر جاهلي ، توفي قبل الهجرة بثماني عشرة سنة . كانت -