من الاحكام نقيضه زمن حدوثه ، ثمّ يأتي لفظ آخر بحكم آخر سوى ما أتى به الأول . فالقول بقدم الألفاظ يناقض حكم النسخ . وأما ما ذهب اليه الأصحاب ، فليس يلزم عليه مثل ذلك ، فان النسخ يقع في التعلقات الحادثة .
والكلام الأزلي واحد ، لا أمر فيه ولا نهي ، حتى يتعلق به النسخ .
* * * 210 - ( ولنا في تحقيق الكلام . . . الخ ) .
أقول : يريد ان يحقق الكلام بتحقيق ينطبق على كلام الشيخ من وجه ، ولا يلزم عليه مخالفة الظاهر من أن هذه الألفاظ كلام الله من وجه . وتحقيقه يتوقف على مقدمة يمهدها ، وهي : إنا نجد من أنفسنا تارة : أنا إذا أردنا أن ونتلفظ بكلام ، على نظم مخصوص ، نحتاج إلى ترتيبه أولًا ، على النظم المقصود في خيالنا ، ثمّ نتلفظ به على طبق ما تخيلنا ورتبنا ، ولكن لا نتمكن من ترتيبه إلا بجد ومشقة ، وتارة : نتمكن من ذلك بأدنى التفات . فلنا صفة بها ترتب هذه الألفاظ في خيالنا ، تتقوى بالممارسة ونحوها ، وتضعف بما يقابل ذلك . فتلك الصفة فينا هي مبدأ نظم الكلام الخيالي عندنا ، بحيث ينطبق على مقصود معين . وهذه الصفة هي ضد الخرس ، فان من لا يتمكن من النظم الخيالي بوجه ، ولا يتمكن من النطق بوجه ، فان التلفظ الخارجي مبني على التخيل الباطني . ومن تمكن من ذلك تمكن من التلفظ ، ان لم يمنعه مانع اللسان . فالخرس وضده معنيان يقومان بالنفس ، لا باللسان . وهذه الصفة هي غير العلم ، فإنها لو كانت العلم ، الذي هو مبدأ الانكشاف ، لكان كل منكشف لنا من الألفاظ المرتبة ، كلاماً نفسياً لنا ، وليس كذلك . بل قد يحصل عندنا علم بألفاظ غيرنا المرتبة ، وليست كلاماً نفسياً لنا بالضرورة ، بل الكلام النفسي ما تحدثنا به أنفسنا ، بحيث يكون منشأ نفس الترتيب ومبدؤه من ذاتنا . فكلامنا هو ما رتبناه في خيالنا بأنفسنا وما رتبه الغير فهو كلام الغير .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 489
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٨٩