ويطلق على هذه الصفة لفظ الكلام ، وبها يطلق على الله متكلم ، على سبيل التجوز والتشبيه ، فذلك أمر يطلب بالبرهان .
وان أحببت ان تسمع قليلًا في ذلك ، فأقول : قد أثبتنا بالبرهان ان الحق تعالى جواد ، وانه لا يفيض إلا ما فيه صلاح عالم الامكان ، ولا يصدر عنه العبث بالضرورة ، ومن البين ان ذلك لا ينشأ عنه بالقهر والقسر ، من خارج أو داخل ، فليكن ذلك ناشئاً عنه لوصف المحبة ، المشار اليه بقوله : ( فأحببت أن أُعرف ) . فذلك الوصف هو المنبع والمبدأ لفيض كل خير على عالم الاستعداد ، في كل حقيقة بما يليق بها وذلك الوصف غير سائر الأوصاف المتفق عليها ، بالضرورة ، ضرورة تحقق جميعها بدون تحققه بالامكان لذاتها . ولما كان بلوغ نوع الانسان إلى حقيقة كماله ، في جميع مراتبه اللائقة به ، مرتباً على ما أودع الحق فيه من حقيقة الاختيار التي منشأ تحققها العلم بالغايات . وذلك العلم لا يكون له إلا بمرشد حقيقي ، له تطلع تام إلى سرّ الحق ، فيفاض عليه ما فيه إرشاد هذا النوع ، وهو الكلام المنزل على ذلك المرشد الذي هو النبي الصادق . فذلك الكلام انما كان منبع فيضه ، ذلك الوصف الحقيقي ، القائم بذاته ، الذي هو الحب الحقيقي ، لمفيض ما فيه الصلاح الحقيقي لجملة العالم . وذلك الكلام إنما هو تفصيل لنوع ما أجمل في هذا الوصف .
وان تلك الصفة أزلًا وأبداً ، حيث لا مخاطب ولا مأمور هناك ، بدون لزوم ما يوجب اعتراضاً . وانها ليست بأمر ولا نهي ، ولا غيرهما . وانما تلك من تفاصيل ما اقتضته تلك الصفة . ثمّ اختصاص اسم الكلام من بين سائر الآثار بالاطلاق على تلك الصفة ، لما انه الموصل إلى حقيقة المعرفة التي هي غاية كل ذرة في عالم الوجود ، على ما أُشير اليه في حديث الحب المتقدم .
وهذا قول مجمل ، فاطلب تفصيله من غير هذا الكتاب ، بل تحته سرّ عجيب ، فأدخل يدك في جيبك تخرج آية أخرى . فافهم .
* * *
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 492
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٩٢