والفلاسفة وبعض المعتزلة ، لما تقرر في مداركهم أن السمع والبصر إنما يكون بالآلتين المعروفتين ، المحالتين عليه تعالى ، نفوا مغايرتهما للعلم ، وأرجعوهما إلى العلم بالمسموعات والعلم بالمبصرات . وقد ردّ عليهم بأن لزوم الآلة في الادراكات الاحساسية ، في جميع الموارد ، ممنوع . ولا يجوز ان يكون في الواجب انكشافات تساوي الاحساسات ، بدون آلة . وقياس الغائب على الشاهد غير مفيد .
- 20 - ( هذا آخر ما انحط عليه كلامهم في تقرير أحكام هاتين الصفتين ، ودفع ما أورده الرادون لهما ، إلى العلم : من أن تعلق السمع والبصر ، أزلًا ، من الخرافات ، إذ لا معنى لسمع غير مسموع وابصار غير مبصر . نعم علمه جائز . فكان محصل جواب المثبتين ان الصفتين أزليتان ، وتعلقهما حادث ، وان الانكشاف الحاصل من تعلقهما أعلى وأرقى من الانكشاف الحاصل بالعلم ، إذ الأول جزئي ، والثاني كلي ، فتنبه ) عبده . وأما الشيخ الأشعري فلم ينقل عنه وجه في رده الصفتين إلى العلم ، إلا ما قال صاحب [ المقاصد ، تجويزاً .
وحاصله : ان من أصول الشيخ الأشعري : أن الاحساس علم بالمحسوسات ، فالعلم عنده نوع واحد ، من أفراده ما هو بالعقل ، ومنها ما هو بالحس . فيجوز أن يرجع صفتي السمع والبصر إلى العلم بالمسموع والمبصر .
وأنت تعلم أن هذا من الشيخ كلام في أن الإحساسات علم ، أو نوع آخر من الإدراك مباين للعلم ، وليس في نفي صفة أو إثباتها ، فيجوز أن يكون مع قوله - بأن الاحساس نوع من أنواع العلم - قائلًا بأن للباري تعالى صفات ثلاثة ، كل واحدة منها مبدأ لانكشاف خاص ، وثلاثتها علم . فإذا أطلق على الحق : ( عالم ) ، فالمراد انه متصف بهذه الصفات الثلاثة ، وان اطلق عليه : ( سميع بصير ) ، فالمراد التنصيص على كل من الصفتين . ولا يستفاد من أصل الشيخ المتقدم : ان الكل صفة واحدة ، تتعدد بالاعتبار ، كما زعموا كما لم يستفد منه : أن قوة بصرنا هي بعينها قوتنا العاقلة ، بالضرورة . وان قال : ان الادراك نوع واحد ، وهذا - أي تغاير الصفتين ، مع العلم - هو المنقول من كتابه .
ثمّ أقول : هذا الإدراك الأجلى ، والانكشاف الأعلى ، الذي يحصل للباري ، بعد حدوث المحسوسات إما ان يكون حاصلًا له قبل الحدوث ايضاً ، أو لا ، على
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 443
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٤٣