وأقول : كما لا محذور فيه ، من حيث إنه نقض للقاعدة ، أو تخصيصها ، لا محذور فيه ، من حيث إنه ايجاب ، كما وهم .
فان الايجاب والاختيار ليسا بمدارين لكمال أو نقص ، بل الكمال منهما ما كان واقعاً بما دل البرهان . والنقص خلاف ذلك . وإلا فلو حكم بما يبدو لظاهر آرائنا لم يمكن للعقل أن يجزم بحكم من الأحكام في باب الكمال والنقص . إذ كما يقال : إن كونه فياضاً مطلقاً ، وبحر جود لا يحجب فيضه عن المستعد وقتاً ما ، لعموم فضله ، ونفي شائبة البخل عن ذاته .
كما يقال أيضاً : كونه بحيث يستحيل أن يفعل خلاف ذلك ، يستلزم كونه مقصوراً عليه ، غير مختار ، كما فهمه أرباب الظواهر ، وهو نقص . وكما أن كونه مختاراً يفعل ما يريد ، يقدم ما يستحق التأخير ، ويؤخر ما يستحق التقديم ، ويعطي غير المستحق ، ويمنع المستحق ، أو غير ذلك ، أي أنه مطلق التصرف ، كمال . كذلك كونه بحيث ينجر ذلك به إلى شائبة البخل ، وعدم مراعاة الحكم ، وأشباه ذلك ، نقص . ولو أوجبنا الحكمة ، لكان إيجاباً كالسابق . وإنما الكامل يميز الحق من الباطل والخبيث من الطيب برهانه ، أو كشفه باستفسار الواقع . وكلام الناظرين في هذا المقام جزاف . ثمّ أقول : إن الشارح قد نفى ما كان محذوراً ، ولم يبين المحذور الذي أشار اليه بفحوى خطابه وهو أن القول بأن الواجب فاعل لصفاته ، قول بأن للواجب صفات هي عين ذاته ، ووقوع في المهروب عنه بعين ما أثبتنا به الصفات للواجب . فان نسبة الصفات إلى جميع مراتبها ، وتشخصاتها ، من حيث هي صفات ، متساوية ، فتطلب مخصصاً من الفاعل . وكونها على وجه أكمل وأحكم تطلب علماً منه . إلى غير ذلك . ولا يكون ذلك بزوائد أيضاً ، وإلا تسلسل ، فيكون بما هو عين ذاته ، فلا مفر منه . وهل يسوغ عقل عاقل أن يصدر علم من غير عالم ؟ وإرادة من غير مريد ؟
وحياة من غير حي ؟ كلا . . . كيف ؟ والفاقد للشيء لا يعطيه . خصوصاً حياة الباري تعالى ، فإنها ليست برطوبة الأعصاب ، أو اعتدال المزاج ، أو ما يشبه ذلك ، بل صفة الحياة فيه تساوي الوجود ، فلو كانت معلولة له ، لأتى فيها من الكلام
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 329
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٢٩