ولك أن تستدل على إثبات الواجب بدليل قليل الكلفة ، خفيف المئونة ، يبتنى على مقدمتين : إحداهما : بديهية ، وهي أنّ ترجح الممكن بدون مرجح ، محال . والأخرى : نظرية ، وهي أن الممكن لا يصح أن يكون مصدراً لأثر من الآثار ، وذلك أن الممكن ، بعد تصوره حق التصور ، ليس له قيام إلا قيام موجده ، وهو لذاته عدم لذاته ، والعدم لذاته لا يصدر عنه وجود لذاته ، إذ الفاقد للشيء لا يعطيه . ووجود ممكن من الممكنات بديهي . وقد علمت أنه يجب أن يكون بمرجح ، ولا يصح أن يكون ممكناً . فلا بد أن يكون واجباً . ويمكن أن يحتج عليه أيضاً ، بالبرهان المشهور عندهم ، الذي قدح فيه الشارح سابقاً ، في بحث الحدوث ، لكن على غير الوجه الذي قرروه ، بأن يقال : لو ترتبت سلسلة ممكنات إلى غير النهاية ، فلست أسأل عن سبب حادث حادث ، إلى غير النهاية ، حتى يقال إنه الذي قبله ، ولكني أسأل عن منبع هذا الوجود غير المتناهي ، فهل هو : ذوات الممكنات ، كيف وليس لها من ذواتها الا العدم ؟ . أو من خارجها . وهو الواجب المطلق ؟ والأمر ظاهر ، فان الممكنات - على عدم تناهيها - لم تخرج عن حد الامكان الذي هو محيط دائرة العدم ، فلا يعقل لجملتها سوى العدم ، ما لم تستند لواجب لا يدانيه العدم ، حتى تكون بالاستناد اليه موجودة . فتأمل بذوق روحاني ، فوجود واجب الوجود ، في عالم الوجود ، لا يصلح لمن يدعي أنه من أهل الاستدلال أن ينكره ، ومن ثمّ لم يخالف فيه إلا شرذمة قليلة قلما توجد ، تسمى ( البختية ) و ( الاتفاقية ) أنكروا المقدمة الأولى البديهية ، وهم مكابرون في البديهي ، فلا نظر إليهم . ثمّ أقول - على الشارح - نقله عن جمهور المتكلمين أن الذات علة تامة لوجودها ، صحيح . وما زعمه من أنه مخالف لمذهب الفلاسفة والمحققين ، باطل ، فإنهم يريدون أن الذات بذاتها - بقطع النظر عن جميع الملاحظات - كافية في انتزاع المفهوم المشترك . فتكون علة تامة في وجودها بهذا المعنى . بخلاف
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 300
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣٠٠