والفلاسفة وطائفة من محققي المتكلمين ، ذهبوا إلى أن وجوب الوجود بكون الذات نفس الوجود ، حتى يستحيل سلب الوجود عنها لذاتها ، فان من المحال سلب الشيء عن نفسه ، بالأولى من سلبه عن علته . ولا يعنون بذلك انه الوجود العارض للممكن ، بل يعنون أنه وجود خاص مستقل قائم بذاته غير منتزع من غيره . وتفصيل ذلك : أن العقل إذا نظر إلى الماهيات المتحققة خارجاً ، أو ذهناً - عند القائلين بالوجود الذهني - وهي بأسرها مشتركة في أنها هي في الخارج أو في الذهن ، ينتزع من تلك الماهيات الموجودة أمراً يشترك فيه جميعها . وهي كونها هي في الخارج أو في الذهن يقترف ذلك أرباب التعاليم في مقامات التفهيم . والا فهو أمر ليس بالمتحقق ، بل إذا أراد المعلمون تقسيم المعقولات إلى : ليس محض ، وإلى ما ليس كذلك . يخترعون أمراً يمتاز به ( الليس ) عن مقابله ، لا اختراعاً صرفاً ، بل له نوع من الاستناد إلى الخارج ، من حيث المنشأ . وهو كون الماهيات ماهيات في الأعيان أو في الأذهان . وسموه وجوداً ، وهو الوجود المطلق الذي تصح نسبته إلى الواجب ، وإلى الممكن . وإنما تتخصص في الواجبات والممكنات ، بالإضافة إلى ما انتزع منه ، كوجود الواجب ، ووجود الممكن ، كوجود زيد وعمرو . وقد تساهل الشيخ الأشعري في قوله ( هو عين الماهية ) . لما ذكرنا . أو أراد من الوجود - الذي هو عين الماهية في الواجب والممكن - ما يعبر عنه بمصدر الآثار ، وليس في الخارج مصدر للآثار إلا أعيان الماهيات . أما شيء زائد عليها ، يسمى وجوداً ، فلا كون له ، حتى يكون لغيره . وأن شقه الناهجين غير سبيل . وقد قام البرهان على أن كون الممكن ، بحيث ننزع منه هذا الأمر المميز له عن ( الليس ) الصرف عن الحكيم ، وإن شئت فقل : على أن ذات الممكن لا بد أن يكون مستفاداً من وجود خاص متميز عن سائر الوجودات بكونه غير مضاف إلى غيره ، وهو الوجود الحق الواجب لذاته . * * *
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 297
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٩٧