دليلهم العقلي ، وقد استشهد الحكماء على قدم الممكنات بدليل نقلي ، وهو ما ذم اللَّه به اليهود في قوله :
( وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا )
« 1 » وبيانه : أنه لو قيل بحدوث العالم ، فقد قيل بأن الحق في أزليته ، لم يزل معطلًا عن الفيض والجود أزمنة غير متناهية لا ابتداء لها ، ثمّ أخذ يعطي الوجود . ومعلوم أنه على فرض أنه لا يزال خلاقاً إلى الأبد ، فكل ما خلقه فهو متناه ، ونسبة المتناهي إلى غير المتناهي ، كلا نسبة . وذلك جلي التصور . فنسبة إعطاء الحق للوجود إلى منعه عن كل موجود ، ليست بشيء ، وإن هذا إلا غل اليد ، حيث أن الإعطاء ليس بشيء يذكر في جانب المنع . وهذا من الشناعة بمكان . والجواب : أن ذلك - أي التخلص من هذه الشناعة - لا يتوقف على القول بقدم شيء من أجزاء العالم ، بل يكفي فيه أن يقال : إن اللَّه لم يزل خلاقاً ، وإن كان كل جزء من أجزاء العالم حادثاً ، فلا أول لعطائه ، ولا مانع يقهره - سبحانه - وهو الجواد الحق ينفق كيف يشاء ، ولا شيء من العالم بقديم ، بل كل حادث ، فهو مسبوق بالعدم ، فلا دلالة في الآية على القدم . فهذا حال دليلهم النقلي . فقد تبين أنه لم يقم دليل عقلي ولا نقلي ، على وجوب قدم شيء من العالم . وأما وجود حدوثه ، فلأنا لا نعلم من معنى العلة إلا ما هو معطى الوجود ، ولا من معنى المعلول إلا ما هو مستفيد الوجود من غيره ، وهذا شيء يقبله الخصم أيضاً . ومن البين أنه لا بد أن تكون ذات العلة مباينة لذات المعلول ، حتى يتحقق المفيد والمستفيد ، وتتصور الإفادة . وهذا أيضاً ضروري ، ويقبله الخصم ، فإنهم قائلون بالتغاير بين ذات الواجب وذات الممكن تغايراً ، أي تغاير . والمستفيد بذاته ليس واجداً ما يستفيده ، إذ لو كان واجداً له لم تتحقق الاستفادة ، إذ تكون تحصيل الحاصل ، وهو محال . وليس المفاد هاهنا إلا نفس الذات المعلولة ، ووجودها ، وإذ كان المفاد مساوياً ، فقد كان الذات معدوماً . وإفادتها إخراجها من العدم . فاذن
هامش
( 1 ) - المائدة : 64 .