إن ما حصله في النقض على جواب الحكماء ، غفلة عما قرر به ذلك الجواب ، فإنه بعد قبول أنه يجوز أن يصدر عن قديم حركة سرمدية ، مع الجزم بأن الحركة إنما هي انتقال ، والانتقال إنما هو وجود شيء ثمّ عدمه ، أي وجود يعقبه عدم . فهذا صنف من الموجودات وجوده في عدمه ، وعدمه في وجوده ، لا يفارقه الوجود والعدم ، فان الحركة الوضعية كما هي في الفلك ، ليس إلا انتقالات لأوضاع ، أي خروجاً من وضع إلى وضع ، ثمّ منه إلى آخر ، وهكذا ، فعلة الوجود ، هي بعينها علة العدم . * * *
25 - ( الوجه الرابع ما عول عليه بعض المتأخرين . . . الخ ) . أقول : الوجه الرابع من وجوه الايراد على مذهب الحكماء ، ما عول عليه بعض المتأخرين ، معارضاً لما جنحوا إليه في باب ارتباط الحادث بالقديم ، من وجود توارد استعدادات غير متناهية على مادة قديمة . وحاصله : أن القول بتوارد أمور غير متناهية على مادة قديمة ، على أنها أوصاف لها بل دعوى عدم تناهي حوادث متعاقبة ، مع وجود قديم مطلقاً ، سواء كان مما يرد عليه تلك الحوادث ، أم لا ، كلام غير معقول ، وذلك لأن القديم يجب سبقه سبقاً زمانياً على كل فرد من أفراد الحادث . وكل ما كان كذلك وجب أن يكون له زمان ، لم يكن معه فيه حادث أصلًا ، فقد تحقق زمان خال عن جميع الحوادث في طرف الأزل . فكانت متناهية فيه ، هذا خلف . أما الصغرى - أي أن القديم يجب سبقه . . . الخ - فلأن القديم هو ما لم يسبقه العدم ، فكل عدم إنما يكون بعد تقرر ذاته . وهذا ضروري ، يفهم متى عرفت ماهية القديم .
والحادث بما هو حادث يقتضي سبق ذاته بالعدم سبقاً زمانياً ، إذ الكلام في الحوادث المتعاقبة الزمانية . وقد قلنا : إن القديم سابق على كل عدم ، والعدم سابق على كل حادث سبقاً زمانياً . والسابق على السابق سابق ، فالقديم سابق على كل حادث سبقاً زمانياً . وهذا واجب لا محالة . وأما الكبرى - أي قولنا :
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 205
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٠٥