تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
قال الإمام الغزالي في « الإحياء » : « اعلم أن لك ثلاثة مقامات في التصديق بأمثال هذا : أحدها - وهو الأظهر ، والأصح ، والأسلم - أن تصدق بأن الحية مثلًا موجودة تلدغ الميت ، ولكنا لا نشاهد ذلك ، فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة تلك الأمور الملكوتية . وكل ما يتعلق بالآخرة ، فهو من عالم الملكوت . ألا ترى أن الصحابة كيف كانوا يؤمنون بنزول جبريل ، وما كانوا يشاهدونه . ويؤمنون بأنه صلى الله عليه وسلم يشاهد . فإن كنت لا تؤمن بهذا ، فتصحيح الإيمان بالملائكة والوحي ، أهم عليك . وإن آمنت به ، وجوزت أن يشاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا تشاهده الأمة ، فكيف لا تجوز هذا للميت ؟ ! . المقام الثاني : أن تتذكر أمر النائم ، فإنه يرى في منامه حية تلدغه ، وهو يتألم بذلك حتى تراه في نومه يصيح . ويعرق جبينه . وقد ينزعج من مكانه . كل ذلك يدركه من نفسه ، ويتأذى به ، كما يتأذى اليقظان ، وهو يشاهده ، وأنت ترى ظاهره ساكناً ، ولا ترى حواليه حية ، والحية موجودة في حقه ، والعذاب حاصل له ، ولكنه في حقك غير مشاهد . وإذا كان العذاب ألم اللدغ ، فلا فرق بين حية تتخيل ، أو تشاهد . المقام الثالث : أن تعلم أن الحية بنفسها لا تؤلم ، بل الذي يلقاك منها هو السم ، ثمّ السم ليس هو الألم ، بل عذابك بالأثر الذي يحصل فيك من السم . فلو حصل مثل ذلك الأثر ، من غير سم ، لكان ذلك العذاب قد توفر . وقد كان لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب ، إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضى إليه في العادة . والصفات المهلكات تنقلب مؤذيات ومؤلمات ، في النفس ، عند الموت . فيكون آلامها ، كآلام لدغ الحيات ، من غير وجود الحيات . فإن قلت : ما الصحيح من هذه المقامات الثلاثة ؟ فاعلم أن من الناس من لم يثبت إلا الأول ، وأنكر ما بعده . ومنهم من أنكر الأول ، وأثبت الثاني . ومنهم من لم يثبت إلا الثالث . وإنما الحق الذي انكشف لنا بطريق الاستبصار ، أن كل ذلك في حيز الإمكان ، وأن من ينكر ذلك ، فهو لضيق حوصلته ، وجهله باتساع
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 129 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده / سيد هادي خسروشاهي