والزيارة البدعية أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت أو بقصد الدعاء عند قبره أو بقصد الدعاء به فهذا ليس من سنة النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا استحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها ، وقد كره مالك وغيره أن يقول القائل زرت قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم وهذا اللفظ لم ينقل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بل الأحاديث المذكورة في هذا الباب مثل قوله : من زارني وزار أبى إبراهيم في عام واحد ضمنت له على اللّه الجنة ، وقوله : من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي ، ومن زارني بعد مماتي حلت عليه شفاعتي ونحو ذلك كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة ليست في شئ من دواوين الاسلام التي يعتمد عليها ولا نقلها إمام من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا نحوهم ولكن روى بعضها البزار والدار قطني ونحوهما بأسانيد ضعيفة ، ومن عادة الدار قطني وأمثاله أن يذكروا هذا في السنن ليعرف وهو وغيره يبينون ضعف الضعيف من ذلك ، فإذا كانت هذه الأمور البدعية منهيا عنها عند قبره وهو أفضل الخلق فالنهي عن ذلك عند قبر غيره أولى وأحرى .
وإلى هنا تم الكلام على المدينة وحرمها ومسجدها وآثارها وآن أوان الرحيل إلى ديارنا فلنسر على بركة اللّه تعالى .
السفر من المدينة
الاحتفال بالسفر من المدينة - جرت العادة أن يقيم ركب المحمل زينة قبل سفره بليلة وقد أقمنا هذه الزينة مساء يوم الأحد 23 المحرم سنة 1319 ه .
وقد هرع الأهالي والضباط والعساكر العثمانية لمشاهدتها ، وقد أحيينا هذه الليلة بتلاوة المولد النبوي ، والقائم بتلاوته جندي من الحرس يحسن إلقاءه ويجيد قراءة القرآن بصوت جميل ويعرف القراءات ، وقد اشتدّ الزحام حتى اضطررت لاستحضار جميع كراسي الأمير والأمين وفرشت جميع ما عندنا من السجادات وخ خ الأكلمة وشرفنا جمع من الأكابر من بينهم السيد على زين العابدين الحبشي العفيف القانع والتقى الزاهد وقد هاديته من ملبس كنت أحضرته معي من مصر وبزجاجتين