تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدينة المنورة بين الأدب والتاريخ — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
التحليل العروضي لقصيدة السيد البيتي يجعلنا نؤكد أن الشاعر نأى بقصيدته عن هذا البحر - أي : الرجز - واختار بحرا شعريا آخر لصياغتها ، وهو : البحر البسيط ، وهو بحر يتسع - مثل الطويل - للحماسة والتشابيه والاستعارات ، وسرد الحوادث . 5 ولقد استطاع الشاعر البيتي بلوغ مستوى شعري جيد في وصف حوادث الحقبة التي عاشها ، دون الهبوط إلى المستوى النظمي ، الذي غالبا ما يصاحب مثل هذه التجارب . لقد كان الجانب الموسيقي المتناغم هو الذي يلامس أذن القارئ خلال قراءته لتفاصيل هذه الملحمة . وفوق هذا فقد استطاع الشاعر أن يستخدم أدواته الفنية ، بعيدا عن سمات الصنعة والتكلف ، وكانت هذه الأدوات عاملا هاما تساعد القارئ في التحليق في الأجواء التي أراد له الشاعر أن يرتفع إليها ، وأن يتخيل - بكل بساطة وتلقائية - حوادث مضى عليها حوالي قرنين ونصف من الزمن . إلا أن الشاعر لم يسلم من الوقوع في بعض الأخطاء الفنية ، وخصوصا من حيث انصياعه - أحيانا - للضغوط الاضطرارية ، التي تشكلها القافية ، وهو أمر غير مستبعد في قصيدة تتكون أبياتها من مائة وثلاثة وستين بيتا . تظهر ملحمة السيد البيتي : كقصيدة بلغت مستوى جيدا من الصياغة اللغوية ، والخصائص التركيبية ، واستطاعت أن تصور لنا بهذه المقدرات الفنية الحياة الإنسانية في صراعها الأبدي للحفاظ على القيم الأصيلة ، في مجتمع تعرضت جوانب الحياة فيه لنوع من التصادم المنفعي أو الشخصي ، ولكنه التصادم الذي يتبعه الاستقرار ، ويتميز - بعد معركته - الجيد من الردىء . لكن بناء القصيدة الملحمي عند السيد البيتي لم ينتج عنه ظهور بطل متميز عن بقية الأبطال ، من حيث قوته أو شجاعته ، وذلك من خلال الأحداث التي عرضتها القصيدة ، ولعل ذلك ناتج من أن القصيدة كانت ترصد أحداثا واقعية ، وليست أحداثا متخيلة أو أسطورية وإذ كان تشكيل صورة بطل متميّز ، 6 من خلال أحداث القصائد الملمحية في الآداب الأخرى ، يعد أمرا أساسيا في بناء تلك الملاحم ، وتميز ملامحها . إلا أن ذلك لا يمنع القول من