تنفر من الأواني المعمولة ولهذا تخلّفت عن خدمتك ساعة حتّى حصلت أشياء غير معمولة .
قال إبراهيم : تعجّبت من كياسته فطبخت لنفسي قدرا ما أذكر أنّي أكلت مثلها باللذاذة ، فلمّا قضيت إربي من الطعام قال : هل لك في شراب فإنّه يسلي الهمّ ويطيّب الفم ونقضي اليوم في خدمتك باللهو والطرب .
فقلت : ما أكره ذلك رغبة في مؤانستك ، فأحضر الحجّام صراحة من الخمر العتيق ، وأحضر لي قدحا جديدا وفاكهة وأبقالا مختلفة في طسوت جدّد ، ثمّ قال :
أتأذن لي جعلت فداك أن أقعد ناحية وأشربه سرورا بك ، فقلت له : افعل ، فشرب وشربت ثمّ دخل إلى خزانته فأخرج عودا ثمّ قال : يا سيّدي ، ليس من قدري أن أسألك في الغناء ولكن أريد أن تسرّ عبدك بشيء من سماعه . فقلت : ومن أين لك أنّي أحسن الغناء ؟ فقال : يا سبحان اللّه ، مولانا أشهر من أن يعرفه أحد ، أنت إبراهيم المهدي خليفتنا الذي جعل المأمون لمن دلّ عليه مائة ألف دينار .
فلمّا قال ذلك عظم في عيني وثبتت مروّته عندي ، فتناولت العود وأصلحته وقد مرّ بخاطري فراق أهلي وولدي ، فأنشأت :
وعسى الذي أهدى ليوسف أهله * وأعزّه في السجن وهو أسير
أن يستجيب لنا فيجمع شملنا * واللّه ربّ العالمين قدير
فاستولى عليه الطرب المفرط وطاب عيشه ، فقال لي : يا سيّدي ، أتأذن لي أن أغنّي بما سنح بخاطري وإن كنت من غير هذه الصناعة ، فأخذ العود وغنّى :
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا * فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
وذاك لأنّ النوم يغشي عيونهم * سريعا ولا يغشي لنا النوم أعينا
إذا ما دنا الليل المضرّ بذي اللوى * جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا
فلو أنّهم كانوا يلاقون مثل ما * نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا