أخي وصديقي نجيب الريحاني
على ذكر الفنانة بديعة ، فلا بد لي أن أذكر نجيب رفيق حياتها الذي أصبح زوجا لها بواسطة الفن المشترك من الطرفين .
عرفت نجيب عن طريق بديعة بالقدس ، إلا أن وجوده بالقدس لم يدعني أن أتركه يوما واحدا ، فكنت أرافقه في أغلب جلساته الخاصة ، وخصوصا مع فخري النشاشيبي الذي كان من أخلص أصدقائه . أما شخصية نجيب الفذة ، فهي ليست بحاجة إلى تعريف ، فقد كان - رحمه اللّه - علما أعلام فناني مصر ، بل في الشرق على ما أعلم ، وله الفضل وكل الفضل في التمثيل الحقيقي ، وقد اعتلى خشبة المسرح منذ الصغر ، وقد قال لنا مرة " شوف يا واصف يرجع الفضل لتفوقي في التمثيل إلى المرحومة والدتي " ، فقلت له : اللّه ليه يا أستاذ أكانت هي ممثله أيضا ؟ قال : لا ، قلت إذا ؟ فأجاب " كنت وأنا صغير ثورة متنقلة في كل لعبي وعملي في البيت ، وكنت أسبب لها انزعاجا قويا في حياتها ، فكانت رحمها اللّه تشتمني وتقول " روح إلهي يفرج الناس عليك . . . " ، وهكذا ربنا استجاب وأصبحت على المسرح يضحك علي حتى الحزين . . .
كنت أعرفه بكثير من أصدقائي بالقدس ، وخصوصا العائلات ، ولنا مع فخري النشاشيبي ذكريات لطيفة يضيق الوقت لسردها ، وذلك في بيوت الأسر اليهودية الراقية الأصيلة بالقدس ، فكان نجيب يرتاح جدا بهذه الجلسات ، ويبدع كل الإبداع في النكتة التي خلق لها . وإني أعود وأقول إنني لن أنسى جلساته النادرة وهو كزوج بديعة مصابني ، فهناك جنة النعم لما تشاهده من نقد ونكتة وخفة دم وطرب ، فسقيا لتلك الأيام . كان نجيب صديقا لصديقنا المصور أكوب زرونيان ، وقد أخذ له رسوما جميلة جدا وهو في حالة كشكش بك ، وقد احتفظت ضمن المجموعة الجوهرية ببعضها موقعة بتوقيع نجيب حفظتها للذكرى والتاريخ .
الريحاني وقرنفل
أذكر هذه الحادثة الطريفة الواقعة في بيت المقدس لإعطاء فكرة مصغرة للقارئ عن طريقة النكتة البديهية التي كان يتمتع بها الريحاني :
كان مقهى برستول ( الواقع خلف سور باب الخليل ومقابل ملك كلارك شارع يافا ) من أشهر مقاهي المدينة آنذاك بإدارة صديقنا إلياس قرنفل من أهالي بيت لحم وشريكته المسز روز الإنكليزية ، وكان رواد هذا المقهى من خيرة الشخصيات من الأهالي . وقد صادف وجودي والريحاني وفخري النشاشيبي هناك في مساء ذات يوم للتأهب لسهرة في حي المونتفيوري ، وكان ولا شك وجود الريحاني هناك هدفا لأنظار جميع الرواد الحاضرين بصفته الفنان والممثل الشهير . لم يشأ قرنفل أن يرسل الجرسون لسؤالنا ، بل حضر هو بالذات وسأل كلا منا عن ما يرغبه من الخمر ، وعلى ما أذكر طلب فخري كأسا من الويسكي ، وأنا طلبت شرحه . . . ولدى سؤال قرنفل للريحاني طلب الريحاني ( كأس زبيب ) أي عرق ، وأراد قرنفل أن يداعبه فقال اللّه يا أستاذ زبيب ؟ ! ! زبيب إيه ؟
فعندها التفت الريحاني إلي وسألني بصوته الأجش " يا واصف اسمه إيه ده . . فأجبته " السي قرنفل " ، فحبكت النكتة وقال لي بأعلى صوته " إيه سي قرنفل ! ! قرنفل إيه وبتاع إيه ده نسا . . وبس " .
نجيب الريحاني .
المصور غير معروف .