" اعلم يا بني أنني عندما كنت إبان الحكم العثماني مدير الجندرمة في لواء القدس كنت ألقي القبض على والدها الحاج جودت وأزجه في القفص ؛ أي في السجن المؤقت في السراي ، عند أول جمعة الآلام بمناسبة عيد الفصح لمدة لا تقل عن العشرة أيام لانتهاء حفلات الموسم لأجل أن يستتب الأمن في المدينة " .
ملاحظة : حقيقة أن الحاج جودت الحلبي كان من أشقى أشقياء أولاد البلد ، وله حوادث مثيرة ، فكان معروفا عنه بشيخ الشباب ، يترأس الاحتفال القومي عند نزول علم النبي موسى من القدس إلى أريحا ، ويعتبر ليومنا هذا من أعظم قبضايات المدينة ، وهو ولا شك رجل حر شجاع عنيد جبار ، وعلى جانب عظيم من الذكاء والحنكة ، وكانت له مواقف جريئة أمام موظفي حكومة تركيا بالقدس أزعجت الكثيرين منهم ، وكان ولم يزل خفيف الروح ، كريم النفس ، بديه النكتة ، سريع الخاطر ، يتحمس لكل من يستجير به ، ونادرا بين أهله وخلانه .
وشاء القدر أن كريمته عفت التي هي باعتبارها كانت كأخت لابنتي يسرى لم تذهب بزواجها بعيدا عنا ، بل بواسطتي والحمد للّه كان نصيبها بأخي وصديقي لطفي المغربي زميلي في وظيفة الانتداب .
حنا أندريا
عرضها وأدون للقارئ لمحة عن حياة هذه الشخصية :
حنا أندريا الأصل من أهالي غزة ووالده صائغ نزح إبان الحكم العثماني إلى مصر وقضى حياته وعائلته فيها ، وهكذا نشأ حنا أندريا نشأة مصرية صرفة ، وانخرط بعدما أخذ علومه الابتدائية مع أصدقاء ممن واصلوا معيشتهم على الخمور والحشيش حتى أصبح أخينا حنا أندريا شيخا في هذا المجال يضرب فيه المثل ، فكان لا ينقطع عن التحشيش والخمرة والنكتة والسهر ، مواصلا أيامه ولياليه والعياذ باللّه . تعرفت على حنا أندريا في محطة اللد في مقهى العم صليبا ، فأحبني وأحببته لما هو عليه من خفة روح ، وتقديرا للموسيقى وعرفني في الوقت ذاته على شلة مرحة من زملائه وكان حنا بوظيفة كاتب قسم الهندسة . وأذكر بعض أشخاص الشلة تحت رئاسة ناظر محطة اللد السيد مهنا شرابي ، وهو من مصر ( دمياط ) ، وهم : حنا أندريا ، وجورج خمار مفتش حركة ، وحسن الشامي مفتش حركة ، . . . وغيرهم .
أخذني وعودي إلى بيته ذلك البيت الأثري المقام على هضبة بجوار محطة اللد ، إنه ليس بيتا بالمعنى الصحيح ، بل قل كوخا أو خربوشا ، فأقمنا سهرة تجلى فيها الحظ والكيف والشرب والنكتة بواسطة جوزة الحشيش التي كانت تدار بانتظام بين الشلة التي يترأسها حنا ! ! إلى بعد منتصف الليل ، وقد أبى حنا أن أغادر هذا البيت الذي علمت فيما بعد أنه معروف ب [ بيت الأمة ] ، وهكذا نمت فيه ، وعند الصباح علمت أن حنا عنده خليلة تدعى هدى ، وهي التي تشرف على حياته المنزلية . إني لن أنسى تلك الليلة ما دمت حيا ، وأقولها صراحة كنت أتخايل بأن ضلوعي تتمزق ، بل تتحطم من شدة الضحك والقهقهة والغناء طول الليل . وإثر هذه الليلة التي كانت موضع البحث عند الجيران وهم الموظفون وعائلاتهم يسكنون الكامبات من حولنا ، اعتاد حنا أندريا وأصبح يحضر إلى القدس في كل مناسبة ويأخذني إلى [ بيت الأمة ] ، ونعيد الكرة والمعرفة بأصدقاء له جدد من القاهرة وحيفا ويافا .