قد لا يكون هذا الحكم مستغربا إذا افترضنا أن الكم الأعظم من هذه المذكرات مكون من تسجيلات سردية وانطباعية المستهدف منها - في الغالب - جمهور قارئ محكوم بمفاهيم شرف العائلة وسمعتها . وعلى الرغم من ذلك هناك استثناءات مهمة لهذا التقويم لمجمل الأدب السيري والتراجم العربية الحديثة . من أهم هذه الاستثناءات السيرة الذاتية لأحمد فارس الشدياق ، " الساق على الساق فيما هو الفارياق " ، المنشورة في باريس سنة 1855 « 1 » نستذكر هنا حدثين في رواية الشدياق التي يسردها بضمير الغائب والمصبوغة بالحميمية المفرطة :
الأول يتعلق بتجربته المحرجة والمضحكة في ليلة دخلته على عروسه القبطية وعلاقته بأهلها ، والثاني يتعلق بمصارحة الذات حين اكتشف خيانة زوجته له بعد عامين في فاليتا مع خادمه المالطي - وهي مصارحة فريدة في نوعها في الأدب العربي إجمالا . « 2 »
نموذج آخر لهذا الاستثناء نجده في الرسائل المتبادلة بين خليل السكاكيني ومعشوقته ( ولاحقا زوجته ) سلطانة عبده . وهي نصوص مشبعة بالعتاب والشعور بالذنب والعواطف غير المتبادلة . « 3 » كما نجده في ذلك الجزء من مذكرات الشيخ عمر الصالح البرغوثي حين حاول ، من دون نجاح ، أن يقنع زوجته المنعزلة بأن تصبح رفيقته وجليسته في الأماكن العامة . « 4 » وفي الأدب الفلسطيني المعاصر نجده أيضا في ذكريات طفولة الشاعرة فدوى طوقان ، وفي وصفها الصريح للظلم الذي تعرضت له من جانب والديها وإخوتها . ففي سيرتها النابلسية ، " رحلة جبلية " ، حطمت فدوى المحرمات التي تتعلق بسمعة والديها المتوفين في حديثها المفتوح عن نشأتها المعذبة في كنفهما ، وعن تمردها المبكر كفتاة مقموعة ومحبوسة بين جدر مترلها . لكن هذه الحالات تشكل كلها نصوصا فريدة للإفصاح الحميمي عن الذات ، وهي في مجملها نقطة في بحر من الكتمان .
في حالة المذكرات الجوهرية يظهر هذا الغياب للحس الحميمي لافتا للنظر على خلفية العدد الكثير من الروايات الفضائحية التي يتعرض لها الكاتب في حياة وجهاء القدس الخاصة . فهو يتعرض بالتفصيل للحياة الصاخبة في شققهم الخاصة ( " دور العازبين " ) ، ولتحديهم الأخلاق العامة ، ولسير عشيقاتهم ، ولا نغماسهم في الملذات ، ولدوره شخصيا في حياة هذه الشخصيات . إلّا إن هذا الإفصاح عن دقائق الحياة الداخلية في حياته وحياة صحبه يرد إلينا كله بشكل قصصي يبدو أن القصد منه سرد ملاحظات اجتماعية عن أنماط الحياة المتغيرة في فترة حاسمة من تاريخ القدس . أي أن الشكل الغالب فيها هو المشهدي لا الذاتي . وهي أحداث تجري في الدرجة الأولى للآخرين ، بينما هو - الراوي - يظهر كشاهد عيان عليها . أمّا هو وعائلته فهما في الغالب معصومان من مبضع الجراح النقدي .
أحيانا يتنازل الكاتب عن هذه المسافة المفروضة على عائلته عندما يتكلم بشيء من التفصيل عن أصول عائلة أمه وأبيه في البلدة القديمة ، إلّا إنه لا يستكمل هذه الصورة إلّا بصورة سطحية عندما يأتي إلى ذكر حياة إخوته ( وخصوصا أخواته ) اليومية . أمّا زوجته وعلاقته بها ودائرة علاقاته الخصوصية فتبقى غامضة . ثم فجأة يتخلى واصف عن هذا الحذر في المجلد الثاني من مذكراته ، خلال الأعوام الأولى للحكم البريطاني ، عندما يعرض بحميمية بالغة قصة فيكتوريا : وقوعه في الغرام ، ثم خطوبته وزواجه بها . ولهذا الإفصاح الحميمي أهمية بالغة لأنه يظهر فجأة بشكل استثنائي في بقية السرد ، ولأنه يوفر لنا مادة خصبة عن تجربته في الحب الرومانسي والزواج ، ولأنه أيضا يدخل القارئ في عالم ما هو عادة مكتوم وغير مفصح عنه .
قابل واصف فيكتوريا أول مرة في أريحا خلال الحرب عندما كان ضابطا في البحرية العثمانية . كان أبوها صليبا سعد في الأصل من بير زيت ، لكنه انتقل إلى أريحا حيث أنشأ وأدار فندق الجلجال عند مدخل المدينة . اعتقلت السلطات العثمانية صليبا ونفته إلى أنقرة خلال الحرب لأسباب غير معروفة ( على الأقل لا يخبرنا واصف عن هذه الأسباب في مذكراته ) . كانت النتيجة أن استلمت ابنته الشابة فيكتوريا الفندق وأدارته بنجاح باهر حتى
هامش
( 1 ) عماد الصلح ( تحرير ) ، " اعترافات الشدياق في كتاب الساق على الساق " ( بيروت ، 1982 ) .
( 2 ) المصدر نفسه ، ص 272 - 274 .
( 3 ) خليل السكاكيني ، " يوميات خليل السكاكيني : يوميات . رسائل . تأملات " ، الكتاب الأول ( رام اللّه : مركز خليل السكاكيني الثقافي ؛ القدس : مؤسسة الدراسات المقدسية ، 2003 ) .
( 4 ) البرغوثي ، مصدر سبق ذكره ، ص 151 .