نهاية الحرب . وفي بداية الحكم العسكري أصبح الفندق و ؟ ؟ ؟ باره مكانا مفضلا لارتياد الضباط الإنكليز الذين اعتادوا تسمية صاحبته ب " فيكتوريا جيريكو " ( فيكتوريا أريحا ) . وكان كبار قادة الجيش ، مثل الجنرال بولز والجنرال موني والكولونيل ستورز ، من زبائن الفندق الدائمين . « 1 »
في هذا السياق نعلم من واصف قصة " تبني " فيكتوريا من جانب البطريرك الأورثوذكسي في القدس ، بعد أن أقنع عائلتها بالتنازل عنها ، وقصة صراعه مع البطريرك ليقنعه بأن يبارك خطوبته على فيكتوريا ، وقصة مغامراته خلال شهر العسل في القاهرة . « 2 » تعود هذه المصارحات الحميمية مرة أخرى إلى الظهور في نهاية المذكرات عندما يصل الكاتب إلى شيخوخته ويشعر بالوحدة القاتلة ، فيفكر في الزواج مرة ثانية كي يعيد شيئا من الاستقرار إلى حياته بعد وفاة فيكتوريا . هذه الأحداث أبرزت شخصية واصف جوهرية ككاتب ساخر من الطراز الأول . بعد جنازة زوجته فيكتوريا مباشرة كان واصف يستقبل المعزين في بيت ابنته يسرى في بيروت . يظهر رجل لم يلحظه واصف من قبل أخذ يتلو خطاب رثاء طويلا يعدد فيه مناقب المرحومة بعاطفة جياشة ، الأمر الذي دفع واصف إلى البكاء والنحيب . وبعد ذلك ينتقل الرجل فجأة إلى مدح مناقب عائلتها وزوجها بطريقة عكست معرفة حميمة بالعائلة . ثم يدرك واصف أن الرجل من طائفة ممتهني حضور الجنائز الذين ينتقلون من مناحة إلى أخرى بهدف الارتزاق . يصحو واصف من أحزانه موقتا ، ويمد يده إلى الرجل ببضع ليرات : " بس أرجوك . . مزعت قلبي . . فهذا يكفي . . " أمّا الرجل فينتابه شيء من الارتباك ويصر على أن يحتفظ واصف بورقة الرثاء المكتوب ؛ " لا . . يا أخي دعها لك فأنت تلزمك أكثر مني وتقرأها لغيري . "
مكان اللقاء الحميمي الثاني هو أريحا مرة أخرى ، وحرب تنتهي بكارثة جديدة مع فارق مهم ؛ فالحرب العظمى سنة 1917 بتوقعات متفائلة عن مستقبل مشرق لفلسطين وبلاد الشام . أمّا الحرب الثالثة ، حرب فلسطين سنة 1948 ، فقد جلبت معها كارثة النفي والتشرد . أصبحت أريحا مكان اللجوء الكبير لشعب مهزوم ، إذ نزح مئات الآلاف من سكان السهول الساحلية إلى وادي الأردن . في هذا المنعطف يظهر واصف كأنه يحاول إعادة بناء حياته الشخصية في إطار المأساة الجماعية لفلسطين . يتسم أسلوبه بالمصارحة الجريئة مع القارئ ، وكأنه يسعى لمشاركته في الحدث . والمناسبة هنا هي زواجه الثاني من أرملة عزم على ربط حياته بحياتها . هذا الحدث أيضا فريد في إطار المذكرات ، لا لاحتوائه على قدر كبير من الحميمية في التعبير عن عواطفه فحسب ، بل أيضا لأنه يعكس مصارحة صادقة مع الذات لرجل تجاوز العقد السادس من عمره ، ووقع مرة أخرى في الغرام . وبعكس بقية المذكرات يوجه المؤلف سلاحه الساخر هذه المرة ضد نفسه ؛ يبدأ المحاولة في الزواج الثاني بلملمة أطراف شجاعته ، ويتوجه إلى بيت الأرملة التي وقع في غرامها ، فيفاجأ بالرفض الحازم والمؤدب من جانبها ، وتذكّره - بحسب الرواية - بأن ثلاثة خطّاب أهم منه كثيرا في الجاه والمال قد تقدموا إليها قبله بطلب يدها . « 3 » ينهار واصف من هول الصدمة ، ويتجنب لفترة طويلة المرور بطريق عين السلطان - مشهد خيبة أمله . « 4 » وفجأة يتخلى الكاتب عن المناعة الساخرة التي كان يتستر خلفها ، ويظهر أمامنا - عن إرادة - كإنسان هش حساس ، لكن صاحب كرامة . في النهاية يختتم السرد بحوار نوستالجي مع الشيوعي المنفي والمناضل المقدسي العجوز نجاتي صدقي ، وهو نقيضه تقريبا في معظم جوانب شخصيته ، وهو يراجع معه مسيرته الطويلة في الحياة كجندي ، ومتسكع ، وموظف دولة ، وكاتب ساخر ، وموسيقار ، وشاهد على عصره . « 5 »
هامش
( 1 ) فدوى طوقان ، " رحلة صعبة ، رحلة جبلية " ( رام اللّه : دار الشروق ، 1999 ) ، ص 18 - 22 .
( 2 ) " المخطوطة الجوهرية " ، مصدر سبق ذكره ، ص 102 .
( 3 ) المصدر نفسه ، ص 360 .
( 4 ) المصدر نفسه ، ص 364 - 371 .
( 5 ) المصدر نفسه ، ص 375 . كان نجاتي صدقي كتب في السجل الذهبي الخاص بالمجموعة الجوهرية عندما زار متحف الجوهرية في القدس بتاريخ 9 / 8 / 1947 هذه الكلمة : " . . والواقع أن الشخص الذي يزور القدس ، ولا يزور متحف الأستاذ جوهرية ، مثله مثل ذلك الشخص الذي يزور مجاهل إفريقيا ، ويرى فيها جميع الحيوانات إلّا الفيل . . ! "