استأذنت من صاحبها فمسكتها وصلحت دوزان أوتارها قليلا وعزفت عليها بلباقة فائقة وكأنها العود ، الأمر الذي أدهش أفراد الغرفة والحضور ، وفي صبيحة اليوم الثاني إذ بصديقي حسن صوفي أبو عمر يدخل البيت وبيده الآلة ويسلمني إياها قائلا إنها هدية من راغب بك الذي دفع ثمنها وقدمها لواصف ، فشكرته وشكرت راغب بك بدوره في وقت آخر .
وقد انتشرت هذه الآلة خصوصا في يافا ، وعرفت ( بعود مصطفى أتاتورك الحديث ) ، ولم أزل أحتفظ بها ضمن مجموعة الآلات الموسيقية عندي ، وقد قضيت بالعزف والغناء عليها في مناسبات عديدة بين الأصدقاء والمعارف والسهرات والشطحات ، وهجرت العود لمدة لتشوقي بالعزف عليها ، ولكني أعود وأقول أن العود المصنوع من الخشب ذا الأوتار الجلدية الطبيعية وريشة النسر ، لهو في نظري أطرب وأقرب إلى قلب وكبد الإنسان ، والناس فيما يعشقون مذاهب .
زواج الأخ خليل من الكساندرا ابنة سابا الجوزي
كان زواج الأخ خليل من الكساندرا بتاريخ [ . . . ] « 1 » ، وذلك باحتفال الإكليل المقدس في فندق حنا ذروني بجوار دائرة بلدية القدس . دعوة العرس كانت باسمي ولسوء الحظ أصابتني وعكة ألزمتني الفراش لمدة أربعة أيام ، وهكذا لم أحضر حفلة الإكليل . وقد سكن الأخ خليل وعروسه بعد الإكليل مباشرة في الطابق الأول من عمارة الحاج مصطفى الحسيني بالشراكة مع الحاج جودت الحلبي وإبراهيم علي الحزينة الواقعة في مدخل شارع الشماعة الشرقي بجوار دارنا في النيكوفورية .
مرحلة لبنان وذكريات ظهور الشوير
حصلت على المأذونية السنوية لمدة شهر وعزمت على الراحة بجولة في جبل لبنان . وقد سررنا بجيرة خليل واطمأننا على البيت فتركنا يسرى وليلى تحت إشراف أمهما حلوة ومراقبة خليل وزوجته مدة غيابنا . ذهبنا وفيكتوريا عن طريق حيفا ، وكانت معي آلة الجنبوش التي ذكرت عنها الكثير سابقا ، وإنها والحقيقة رفيقة المسافر لصغرها وسهولة حملها في السفر ، وزرنا في أول يوم الأخت فيكتوريا سعيد زوجة الأخ بسكال حنانيا في جبل الكرمل ، وتمتعنا بمناظر هذا الجبل الخلابة التي تطل على البحر ، وهناك قضينا السهرة الأولى على الجنبوش ، وكانت ليلة أنس لما ضمته من معارف فيكتوريا وبسكال حتى أنني كنت على وشك العدول عن تكميل الرحلة إلى لبنان .
ولكن ثاني يوم سرنا على بركة اللّه عن طريق الناقورة ، فوصلنا بيروت ، ولكن - مع الأسف - لم نذق لذة النوم في الليل لشدة الحر ، وهكذا تركنا إلى ظهور الشوير ونزلنا في فندق الروضة ، أي الأول على يدك اليمنى لدى دخولك بلدة ظهور الشوير لصاحبه السيد إدوارد مرهج . وجدنا في هذا الفندق كثيرا من الأصدقاء منهم المحامي راغب الإمام من يافا ، والأخ جميل طناس الحلبي ، والأخ شكري الحرامي ، وخضر شحيبر وعمه من غزة وغيرهم ، وهكذا أين لواصف أن يأخذ الراحة التامة ، فقد شاهد هؤلاء المعارف آلة الجنبوش وكانت ثورة ، فعزفنا وغنينا ما تيسر لأول ليلة إلى منتصف الليل ، وذلك في قاعة الفندق الفسيحة وبيت المائدة ، فسر جميع نزلاء هذا الفندق ، وانسجمنا مع بعض نحن ورجالهم ونساؤهم تجلى الطرب بصورة هائلة ، وكلهم يرجو الإعادة وطلب أغان أخرى ، خصوصا عائلة يزبك التي عرفتها لأول مرة ، ومن ثم
هامش
( 1 ) ناقص في الأصل