تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
سامي الشوا ، وأحبوا الاستماع إلى عزفه ، وكنت أنا المترجم من اللغة العربية إلى الإنكليزية بينه وبينهم ، فأخذ سامي الكمان وبدأ بالعزف عليها من المقامات العربية الصرفة التي تحتوي على الأرباع من مقامات الصبا والسيكاه والبستنكار ، فما كادوا يسمعونه إلا وأكثرهم كان يمسك رأسه في يديه ويهزه بطرب ، وتعجب وجن جنونهم فعلا وأنا أعترف عما لمسته من ثنائهم عليه ، ولما تأكد سامي من مدى إعجابهم بعزفه وبفنه الطبيعي تحمس أكثر ، وهمس في أذني بأنه سيعزف لهم مقطوعة تاريخية من تلحينه يمثل بها خروج بني إسرائيل من مصر . . . فترجمت بالحال ما قاله إلى اللغة الإنكليزية فطربوا تشوقا لسماع هذه المقطوعة وشكروه سلفا بأوجه هاشة وباشة . . . وهكذا بدأ سامي يعزف على كمانه من مقام اليكا على وتر القرار حركات ومقطوعات مختلفة منسجمة إلى أن وصل إلى الجواب ، وهناك أبدع كل الإبداع بنهفات صورة يتخايل للمستمع بأن الحشد يسير باندفاع قوي هربا من الأهوال ، وواصل هذه التمثيلية التصويرية على أوتار كمانه إلى أن رجع على النغم الخفيف ، معبرا أن القافلة وصلت بسلام ورجعت إلى الاطمئنان والاستقرار . وكان السكون مخيما على من حضره من الموسيقيين العباقرة ، كم كنت ترى على وجوههم وعيونهم التعجب والدهشة وكل الطرب ، وفي النهاية أمطروه بوابل من الثناء والشكر والمقدرة والإعجاب ، وخيل لهم بأنهم كانوا ضد الحشد الذي خرج بالفعل من مصر . وهكذا طلبوا مني بواسطتي إعادة المقطوعة والسماح لهم بكتابتها على النوتة في حالة عدم وجود نوتة المقطوعة مع سامي - آنذاك - ولكن تخلص سامي وهو يعرف كيف يتخلص في مثل هذه الظروف ، لأنه كان لبقا وحذرا وداهية ومشيت حيلته على العباقرة الذين لم يعرفوا بأن سامي أمي بعلم النوتة . . . وكان عزفه لهذه المقطوعة الطويلة ارتجالا وفي حينه ليس إلا . . . ولو قدر لسامي عزفها لثاني مرة لكان تغيرت كل حركة فيها من مرة على ما أعتقده . . تركت وسامي المعهد الموسيقي وهات يا ضحك على الطريق . وإني ألفت نظر القارئ أن سامي قد سما في جودة العزف حتى أصبح مثلا . المغني وفرقته يغادرون إليه فإنك تسمع كثيرا من التسجيلات تقول فلان المنشد على تخت سامي الشوا ، مع أنه كان من المفروض أن يكون العكس ، فيقال العازف فلان على تخت المنشد الفلاني . . . وهذا يرجع بالطبع لما توصل إليه سامي من مقدرة في عزف الكمان . وقد استقل سامي بالعزف على كمانه وحده استقلالا تاما لا حماية فيه ولا وصاية . فكان يدخل بيوت ومنازل الأعيان والباشاوات والبكاوات حتى القصور الملكية ، ويعزف على كمانه وحده ويجيء الحفلات الشيقة التي كانت بكل تأكيد تفضل عن فرقة موسيقية كبيرة ، وله في هذا المجال حوادث مثيرة يعجز القلم عن وصفها ، فقد قضى سامي القسم الأكبر من حياته في حياة التنعم والترف والعز والسعادة لا يستطيع أن يراها سواه من المطربين - آنذاك - فقد ميزه اللّه وأنعم عليه بجودة العزف ، وأنه جدير بذلك وكفء لهذه النعمة لما هو عليه من ظرف وخفة روح وخلق حسن ، حماه اللّه وأمد اللّه في عمره ! بقي سامي بدون زواج ليومنا هذا فانسجم انسجاما كليا مع الأخ توفيق الذي عمل على شاكلته ومات بدون زواج ، والجدير بالذكر أن سامي عندما فجع بخبر وفاة الأخ توفيق سنة 1944 أقام قداسا خاصا في كنيسة الروم الكاثوليك في القاهرة ،