تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
إسعاف وأطلع الأستاذ عبد الوهاب على ميلي الفطري للموسيقى ومقدرتي في هذا الفن وشهرتي بين الأهلين ، فأعجب وانشرح صدره وقد وعدني بزيارة المجموعة الجوهرية في فرصة لاحقة - بإذن اللّه - فشكرته والأستاذ إسعاف .

أخي وصديقي الأستاذ وأمير الكمان سامي الشوا

تعرفت بأمير الكمان عندما زار القدس لأول مرة في بيت أخي وصديقي فخري النشاشيبي وكانت حفلة شائقة ليلا تضم نخبة من أعيان وأهالي مدينة القدس . كانت هذه الحفلة على شرف عادل بك أرسلان وعمه أمين بك أرسلان ، ولم يحضر عادل بك في تلك الليلة ، الأمر الذي أجهله . كان الحضور راغب بك النشاشيبي ، والأستاذ إسعاف النشاشيبي ، وعلي بك جار اللّه ، وإسحاق بك البديري ، وماجد بك عبد الهادي ، وفائز بك حداد ، ومصطفى بك الخالدي ، . . . وغيرهم . وقد أجاد وأبدع الأستاذ سامي ثم رافقته بالعزف على عودي فعزفنا بشرف راست طانيوس ، وعندما غنيت وحدي أحبني وأعجب بي جدا ، وبواسطة الفن الموسيقي الرفيع أصبحت بيننا صداقة ورابطة متينة أخوية ، حتى أصبح كأنه عضو من عائلة الجوهرية ، فإذا ما حل سامي القدس نزل بدون كلفه عندنا ، وكأنه منا ولم يفارق خصوصا أخي توفيق لا ليلا ولا نهارا . وهكذا قضينا وسامي أوقاتا جميلة وليالي سمر في كثير من بيوت أصدقائنا المقدسيين ، وخصوصا في قرية عين كارم التي لنا معه فيها ذكريات خاصة ، وكم بقينا من الليالي إلى مطلع الفجر ، وسامي يتفنن على كمانه وكأنه يتكلم عليها . . . فسقيا لتلك الأيام ! اعترف حقا بمن أعطاه اسم أمير الكمان ، فإنه ولا شك أميرها والقلم يعجز عن وصف عزفه عليها ، خصوصا ما يعرف عليه بأداء ما يعرف بالتقسيم ، وعلى الأخص ما يسمى موسيقيا بالقفلة ، فإنه ولا شك الفريد من نوعه في هذا الباب ، فإنك تشعر بحزن أليم عندما يعزف لك قطعة حزينة ، ثم يوصل هذه القطعة بأخرى فترقص طربا وللّه العجب . إنه ولا شك فنان موهوب وعازف ماهر وفي رأسه رأسمال قوي في الموسيقى العربية ، فإنه يعرف التواشيح الأندلسية ويجيدها ، وله فيها مجال واسع ، وهو من أهالي مدينة حلب الشهباء مخزن هذا القسم من موسيقى العرب ليومنا هذا ، ثم لا يغرب عن البال فمنذ نشأته سرى دم الموسيقى في عروقه منذ الطفولة ، فكان والده في ذلك الزمن المدعو أنطون الشوا أشهر من عزف هذه الآلة ، وله تسجيلات خاصة ، وقد احتفظت بأسطوانة منها ضمن المجموعة الجوهرية . وزد على ذلك أن سامي مطلع كل الاطلاع على ألحان وغناء المطربين الشهيرين القدماء ؛ أمثال عبده ، وسلامة ، والمنيلاوي ، وعثمان ، وأبو العلاء ، وأبو داود ، . . . وغيرهم ، إلى أن واصل تلحين السيد درويش ، وهو إذ يطربك في عزفه الفريد بعيدا عن علم النوتة الإفرنجية على ما أعلم ، ولكنه مرجع في علم الموسيقى على الطريقة الأصلية العربية من المقامات والسلم الموسيقي الشرقي والإيقاع ، مثله كمثل الموسيقيين القدماء . وإني أدون للقارئ الكريم هذا الحادث الذي يدل ما لسامي من قيمة ولو بدون معرفة النوتا : أخذته مرة إلى المعهد الموسيقي العبري بالقدس على زمن رئيسه صديقي المستر هاوزن عازف الكمان ، ومن المعلوم أن هذا المعهد يضم عباقرة الموسيقيين والعازفين ، خصوصا على آلة الكمان وأكثرهم من ألمانيا ، وكانوا جميعهم يسمعون شهرة