أرجع الآن إلى حفلة الأستاذ محمد عبد الوهاب على مسرح مدرسة السلزيان فأقول إني أشكر الباري عز وجل على استماعي لأول مرة وجها لوجه لهذا الفنان الموهوب ، الذي آمل أن يكون الممتاز بين المطربين ، وله المكانة الأولى بينهم ، وأرقب له مستقبلا باهرا أنه سميع مجيب .
زيارة الأستاذ الموسيقار محمد عبد الوهاب القدس لثاني مرة
زار الموسيقار الأستاذ عبد الوهاب القدس لثاني مرة ونزل ضيفا على الأستاذ إسعاف النشاشيبي محلة الشيخ جراح بصفته الصديق الحميم لأمير الشعراء أحمد شوقي . وكان اسم الأستاذ محمد عبد الوهاب في هذه المرة يتلألأ في أوج السماء لما قدم من ألحانه وفنه وغنائه للعالم بصورة فظيعة ، « 1 » هز فيها قلوب النساء والرجال من عشاق الموسيقى حتى من جهلائها على السواء في الأقطار العربية كافة ، واشتهر اسمه ولمع أفقه وأصبح - والحق يقال - من عظماء الموسيقيين ، وقد ابتكر لأول مرة في هذا الفن الرفيع زيادة الآلات الطرب ، وإضافة آلات موسيقية غربية في فرقته الموسيقية فزادته روعة وإتقانا ، وأخذت الجماهير تتذوق غناءه وتقبل عليه وألفت آذانهم التجديد في التلحين .
عزم الأستاذ على إحياء حفلته على مسرح سينما صهيون - شارع يافا بالقدس ، وكان الإقبال على بيع تذاكر الدخول عظيما حتى كان الوقوف أكثر من الجالسين لقلة التذاكر . كنت أنا في أول قسم من الحضور وكلي آذان أرقب ظهوره على المسرح ، وكان الكثيرون من أهالي بيت المقدس ينظرون إلي والبسمة على شفاههم وكأنهم ينتظرون تعليقي . . . لما عرف عني من ميول فطرية وباع في هذا الفن الرفيع .
كانت صدمة قاسية فوجئ الجمهور فيها ، فقد سرت خبرية وفاة القاضي النزيه المحبوب الكبير المرحوم علي بك جار اللّه ، فقلت في نفسي حقا وعند صفو الليالي يحدث الكدر ، والجميع أصبح وعلى رؤوسهم الطير مبهوتين لما كان الفقيد عزيزا عليهم تلك الشخصية الفذة النادرة ، وكانت بالفعل خسارة عظمى لا تعوض لجميع أهالي بيت المقدس على السواء .
ونظرا لما للفقيد الغالي من أخوة وصداقة لكل من الأستاذ إسعاف النشاشيبي والشاعر أحمد شوقي والأستاذ محمد عبد الوهاب ، وبخاصة بعد عدة جلسات خاصة في قصر النشاشيبي ، فكر أكثر الحضور بأن الحفلة لا بد أن تلغى ، ولكن إذ فتح ستار المسرح وظهر الأستاذ محمد عبد الوهاب فألقى كلمة وجيزة تنم عن شعور أخوي ومشاركة في هذا المصاب الجلل معزيا فيها آل جار اللّه الكرام وأهالي بيت المقدس ، واعتذر إجلالا للفن وإكراما للحضور بأن يلغي الحفلة ، وكانت كلمته هذه تدل عن حبه وتفانيه للفن ، وهكذا بدأ وصلته الأولى وعلائم الأسى على وجهه ، ولكن الغريب في الأمر رغما عن شدة المصاب ، تجلى الأستاذ محمد عبد الوهاب فأجاد وفرقته كل الإجادة غناء وعزفا لما لمسه من تعطش الجمهور لغنائه . كان ذلك بتاريخ [ . . ] . « 2 »
ولحسن حظي في نهاية الحفلة أخذني الأستاذ إسعاف النشاشيبي إلى المسرح خلف الستائر ، وهناك حصل لي الشرف الأعظم وعرفني بالأستاذ لأول مرة فسلمت عليه وهنأته بفنه ، كما هنئت نفسي بمعرفته واستماعي إليه وقد قدمني الأستاذ
هامش
( 1 ) فظيعة : رائعة في اللهجة المقدسية .
الفنان محمد عبد الوهاب
( 2 ) ناقص في الأصل .