كان الإقبال عليه لا بأس به ، لأنه كان في بداية عهده بالفن ، وكان قسم خاص من الشعب الذي يتذوق أسلوبه ، أما أنا فكنت واللّه يشهد من أول المعجبين به وبصوته وبطريقة غنائه المجددة ، وقبل ما أشاهده وقد تمثلت قول الشاعر :
من قبل رؤيتكم نلنا محبتكم * والأذن تعشق قبل العين أحيانا
كنت قد جمعت طائفة كبيرة من تسجيلاته قبل سنة 1927 لما لست فيها من روعة وفن وكان صوته - آنذاك - لم يزل صوت صبي . . . وأذكر من بعض هذه التسجيلات :
موشح " ملا الكاسات وسقاني " إذ أضاف عليه من آهات جاءت في غاية الطرب ، وقصيدة " ألفيتها ساهرة " وتلحينها يشبه قصيدة " باللّه مرحمة وصبرا للغد " للمرحوم الشيخ سلامه حجازي ، و " باتت تناجيني عيونه " وتلحينها يشبه قصيدة [ الحب ] " تفضحه عيونه " تأليف أحمد رامي وتلحين وغناء المرحوم الشيخ أبو العلاء محمد ، وقصيدة " منك يا هاجر دائي " و " يكفيك دوائي " ، و " قلب بوادي الحما خلقته رمقا " . . . وغيرها الكثير .
وبصفتي خبيرا بهذا الفن الرفيع ، أقول صراحة إن من أشهر غناء الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي رفع اسمه وحببه لدى الجمهور هي قصيدة " يا جارة الوادي طربت وعادني ما يشبه الأحلام من ذكراك " . . . الخ . . تأليف أحمد شوقي ؛ فهذه القصيدة التي لحنها من لحن البياتي بدون أدنى كلفة ورتوش غربي ، وبدون أن يستمد فيها من قطع أغاني أخرى لمطربين سابقين ، هي التي أبرزت اسمه إلى العلا ، لأنني أثبت قولي بالحادث الطريف الذي حدث في بيتي فأقول :
كان عندي بعض الأصدقاء ، وقد وضعت أسطوانة للأستاذ عبد الوهاب المعروفة - آنذاك - مطلعها :
" أهون عليك تزيد ناري ولساني * بشكي لك لم ترحم شاكي "
نظم أحمد شوقي .
وعندما وصل لقطعة
" كان عهدي وعهدك في الهوى * تركت مريض من غير دوا
" ليه طول الجفا ليه ضاع الوفا * ليه زاد الأسى ليه روحي تهون "
وهذان الشطران على إيقاع الفالص ، وعندما غنى " تهون " - وهنا بيت القصيد - لحنها فأبرز فيها السلم الموسيقي العربي ذا الأربعة والعشرين ربعا من القرار إلى جوابه بصورة فنية معجزة لم يسبق لغيره من الموسيقيين القدماء أن أبرزه في تلحينهم على الإطلاق ، وقد قام أحد أصدقائي من الحضور وهو السيد سليمان الوعري المثقف فأوقف بالحال الأسطوانة معتقدا بأنه طرأ خطأ فني عليها ، فانزعج لسماعه هذه البدعة ! ! أقول أنا نعم إنها بدعة بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، ولكن هذا شيء جديد على أذن السيد الوعري وغيره من الجمهور ، فتأمل ! !
سامي الشوا
من مجموعة واصف جوهرية