تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
بالعمى ، وموتها في بئرها بأرضها ، فاتفق لها ذلك . ولذلك قصة ، وهي أن أروى شكت سعيد بن زيد في أرضه بالشجرة ، إلى مروان بن الحكم أمير المدينة ، فأوجب على سعيد يمينا ، فترك سعيد لها ما ادّعته ، وقال : اللهم إن كانت أروى كاذبة فأعم بصرها ، واجعل قبرها في قعر بئرها ، ثم جاء سيل ، فأبدى ضفيرتها ، فرأوا حقها خارجا عن حق سعيد ، ورأى ذلك مروان في جماعة من الناس ؛ لأن سعيدا سأله أن يركب معه لينظر إلى ذلك ، ثم إن أروى خرجت في بعض حاجتها بعد ما عميت ، فوقعت في البئر فماتت . هذا معنى ما ذكره الزبير ، في خبر أروى مع سعيد . وذكر ذلك الليث بن سعد . وفي خبره غير ما ذكره الزبير ؛ لأن فيه : إن أروى زعمت أن سعيدا بنى الضّفيرة في حقّها ظلما ، وذكرت ذلك لعبد اللّه بن عمر بن الخطاب وغيره ، وتوعدت زيدا بالصياح عليه في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، إن لم ينزع ، فكلمه ابن عمر وأخبره بقولها ، فقال سعيد - رضى اللّه عنه : إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقول : « من يأخذ شبرا من الأرض يطوقه اللّه يوم القيامة من سبع أرضين » « 1 » . فلتأخذ ما لها من حق ، اللهم إن كانت كاذبة علىّ فلا تمتها حتى تعمى بصرها ، وتجعل ميتتها فيها . فجاءت فهدمت الضفيرة ، وبنت بنيانا ، فلم تمكث إلا قليلا ، حتى عميت ، وكانت تقوم بالليل ومعها جارية لها تقودها ، لتوقظ العمال ، فقامت ليلة وتركت الجارية لم توقظها ، فخرجت تمشى حتى سقطت في البئر ، فأصبحت ميتة . وهذا الخبر في الاستيعاب أطول من هذا . وما ذكرناه منه مختصرا بالمعنى ، وفي الاستيعاب أيضا ، الخبر الذي ذكرناه بالمعنى عن الزبير ، أطول مما ذكرناه . وقد نقل المزي في التهذيب ، عن الزبير بن بكار ، خبر أروى مع سعيد ، وفيه مخالفة اللفظ وزيادة ونقص ، عما ذكره ابن عبد البر عن الزبير . فمن الزيادة : أن أروى سألت سعيدا أن يدعو لها ، وقالت : إني قد ظلمتك ، فقال : لا أرد على اللّه تعالى شيئا أعطانيه . وحديث مخاصمة أروى لسعيد ، ودعائه عليها ، وإجابة دعائه عليها ، في الصحيحين . وقد اختلف في تاريخ موته ، فقيل سنة إحدى وخمسين . قاله يحيى بن بكير ، وابن نمير ، وخليفة بن خياط ، وغير واحد . وقيل مات سنة اثنتين وخمسين ، قاله عبد اللّه بن سعد الزهري . وقيل سنة خمسين ، أو إحدى وخمسين على الشك . ذكره الواقدي . وهذه الأقوال الثلاثة ، ذكرها المزي بمعنى ما ذكرناها . وعلى الثالث اقتصر ابن عبد البر . ورأيت في كتاب ابن الأثير قولا ، إنه مات سنة ثمان وخمسين ، ولم يعزه ، وأخشى أن يكون تصحيفا ، فإن النسخة سقيمة ، حكاه بعد حكاية للقول بوفاته على الشك .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه حديث رقم ( 1611 ) من طريق : زهير بن حرب ، حدثنا جرير ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طوقه اللّه إلى سبع أرضين يوم القيامة » .
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 205 | محمد بن أحمد الفاسي المكي / محمد عبد القادر أحمد عطا