عشرة ساعة فنزلنا بظاهرها ، وهي مدينة كبيرة فيها نحو الخمس عشرة خطبة ، وأرضها أرض حراثة وفلاحة ، وهي مؤسسة في بسيط مستندة على جبل وحولها بساتين ووادي عذب يقال له العاصي « 215 » ، وقد جرى لسان العامة في خرافة يحكونها أنه من النيل ولا أصل لذلك ، فإن منبعه قريب من بعلبك « 216 » . ولهذه المدينة سور عظيم محيط بالمدينة وبعض البساتين وبالجبل مصعدا في قنته ومصوبا في شعابه ، يستبعد الإنسان أن يكون ذلك من عمل الإنس وهو من بنيان الروم الذين كانوا بها قبل الاسلام ، فلم تغن عنهم حصونهم من الله شيئا ، إلا أنه اليوم به تهدم في عدة مواضع قيل ببعض الزلازل والأحداث وطول الزمان .
وصف خراب المدن وأسبابه وانتقادات ابن عثمان لولاة وعمال الجور
إلا أنها اليوم ليست بالحال الذي يناسب ذكرها وشهرتها ، وإن كانت فيها حضرية فقد غيرها الزمان فهي اليوم ضعيفة جدا ، إلا أن بناءها يدل على ضخامتها فكله مبني بالحجارة المنحوتة ، وأزقتها وأسواقها كلها مرصفة
هامش
- 538 م . ، فتحها العرب سنة 17 ه - 638 م واستردها البيزنطيون سنة 355 ه - 966 م لتعود للنفوذ الاسلامي سنة 477 ه - 1084 م ، ثم سيطر عليها الصليبيون مدة 170 سنة إلى أن استردها السلطان بيبرس سنة 666 ه - 1268 م . اشتهرت في القديم بكونها مركزا أساسيا للتجارة بين الشرق والغرب ، كما تعرف بصناعة الحرير . يصفها الحميري بقوله : " وهي مدينة حسنة الموضع كريمة البقعة ليس بعد دمشق أنزه منها . . . وهي إحدى عجائب العالم . . . والنصارى يدعونها مدينة الله ومدينة الملك وأم المدائن لأنها أول بلد أظهر فيه دين النصرانية " . ( دائرة المعارف 3 - 62 ؛ معجم البلدان 1 - 266 ؛ الروض 38 ) .
( 215 ) العاصي اسم نهر حماة وحمص بالشام ويعرف بالميماس ، منبعه من بحيرة قدس ويصب في المتوسط قرب أنطاكية ، وهو نهر عظيم عليه جسور ونواعير كثيرة تخرج الماء إلى ضفافه .
( الروض 405 ؛ معجم البلدان 4 - 67 ) .
( 216 ) بعلبك ، مدينة قديمة أطلق عليها الروم هليوبوليس تشتهر بأطلالها الرومانية وخاصة معبد باخوس الذي تذهب الأسطورة العربية إلى أنه قصر سليمان الذي أمهره لبلقيس . ضمت إلى الدولة الإسلامية سنة 16 ه - 637 م وظلت تابعة إداريا لدمشق ، كما كانت عاصمة للأمراء السلاجقة والبويهيين . ( دائرة المعارف 3 - 700 ) .