تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
فالمكروه عند العرب : الطلاق ، والضراط ، وكلام السفه « 18 » ، والخاين ، والذي ليس له قول ، والبخيل ، والجبان بالحرب . فأصحاب هذه الخصال يكونون سخرية العربان ، ويشهرونهم ويجعلونهم مهزأة لهم ولا يسمحون لهم بالقعود في مجالس الكبار . وأما السارق ، فمقبول عندهم لأن أكثر معيشتهم من السرقة . لأنهم لا يسمون سرقة الشيء الذي يأخذونه بالقوة ويزعمون أن كل شيء أخذوه بعد قتال لا يسمى سرقة ، لأن القافلة أو القرية أو القبيلة المعادية لا تسلم نفسها من غير حرب ، وكل شيء يحدث بسببه حرب يسمى كسب قوة لا سرقة . وعندهم هذا شيء حلال ، وكم من مرة اعترضنا عليهم وقلنا لهم أن تشليح القوافل والغارات على أرزاق الناس حرام . فكان جوابهم أن مال أبينا آدم لم يقسم بل بقي مشاعا ، 1 / 124 ونحن أولاد آدم وحواء . / ليكون معلوما عندك أيها القارئ ، إن الأحوال والأمور التي شاهدناها عند العرب ، خلال سبع سنوات من السياحة ، لم يرها أحد من السواح غيرنا . فهم جماعة سريعو الغضب وسريعو الرضى ، أقل حركة تغضبهم وأقل كلمة ترضيهم . قوم يحبون الفتن والحروب والمعارك والغارات سواء على بعضهم أو على الطوائف الغريبة ، أولا لأجل تمرهمهم « 19 » بالحرب ، ثانيا لأجل المكسب لأن هذه تسليتهم وأسباب معيشتهم « 20 » ، ولهم موارد أخرى ، فالأمراء والشيوخ الذين عندهم طروش جمال وخيل ، يطلع كل سنة أناس ليشتروا منهم الخيل الذكور والجمال ، لأنهم لا يبيعون الخيل الإناث ولا النوق بل تبقى عندهم لأجل التولّد « 21 » ، والنوق أيضا لأجل التولد أولا ولأجل حليبها ثانيا ، لأن حليب النوق أكبر قوت لهم . وكذلك التمر والتمّن « 22 » الذي يطلع في بلاد العراق والبصرة وبغداد مثل الأرز . وأما اللحم فإنهم يأكلونه قليلا . فهم أناس قنوعون بالمأكل جدا ، أقل شيء يشبعهم ، ولهم صبر « 23 » على الجوع والعطش والحر والبرد والتعب شيء لا يوصف . فبعضهم يستطيع أن يركض مثل الحصان طول النهار بالحر ، كذلك يستطيع بعضهم أن يصبر على الجوع والعطش ثلاثة أو أربعة أيام .
هامش
( 18 ) يريد : الكلام السافل . ( 19 ) كذا ، فهل يريد تمرنهم أو مهارتهم ؟ . ( 20 ) « تسلايتهم وسببهم » . ( 21 ) « الخلفة » . ( 22 ) التمّن : الأرز على لغة أهل العراق . ( 23 ) « ضيان » .